في كثير من المجتمعات، تبقى بعض القضايا الحساسة حبيسة الصمت، ليس لأنها غير موجودة، بل لأن الاعتراف بها قد يفتح أبواباً يصعب على المجتمع مواجهتها. ومن بين أكثر هذه القضايا إيلاماً تلك المرتبطة بالاعتداءات الجنسية، خاصة عندما يكون الضحايا من الشباب أو الأطفال الذين يجدون أنفسهم فجأة في مواجهة صدمة لا يستطيعون التعبير عنها بسهولة.
هذه المشكلة لا تتوقف عند لحظة الاعتداء نفسها، بل تمتد إلى ما بعدها، حين تتحول الحقيقة إلى ملف حساس نادراً ما يُطرح علناً. ففي بعض الحالات، قد يخشى الضحايا التحدث عما تعرضوا له خوفاً من الوصمة الاجتماعية أو من عدم تصديق الآخرين لهم. وفي حالات أخرى، قد يتم التستر على الوقائع لأسباب مختلفة، إما بدافع الخوف، أو لحماية أشخاص متورطين، أو نتيجة تحديات اجتماعية ومؤسساتية تجعل كشف الحقيقة أمراً بالغ الصعوبة.
وتطرح بعض الأعمال الدرامية، مثل مسلسل «بالحرام»، هذا الجانب المظلم حين تشير إلى احتمال أن يمتد التستر أحياناً إلى مؤسسات أو أفراد يفترض بهم كشف الحقيقة. فقد يجد بعض المسؤولين أنفسهم تحت ضغط أو تهديد، أو قد يتورط البعض في التغطية على الجرائم نتيجة تواطؤ مع شبكات تستغل الضحايا. وفي مثل هذه الحالات، قد يتم إخفاء حقائق أساسية في التقارير أو التحقيقات، كما لو أن الحقيقة نفسها أصبحت ضحية أخرى.
ومع مرور الوقت، يصبح الصمت عبئاً ثقيلاً على الضحية. فبدلاً من الحصول على الدعم النفسي والاجتماعي اللازم، يجد نفسه محاطاً بأسئلة لا يجرؤ على طرحها، ومشاعر متراكمة من الخوف والعار والغضب. هذه العزلة النفسية قد تدفع بعض الأشخاص إلى الانغلاق على أنفسهم، وقد تصل في حالات مؤلمة إلى فقدان الأمل في الخروج من تلك الدائرة.
وتشير دراسات نفسية عديدة إلى أن الاعتداءات التي لا يتم التعامل معها بشفافية وعدالة قد تترك آثاراً عميقة وطويلة الأمد على الضحايا، سواء على مستوى الصحة النفسية أو العلاقات الاجتماعية أو حتى الثقة بالمجتمع والمؤسسات.
لذلك يصبح من الضروري كسر دائرة الصمت التي تحيط بهذه القضايا وفتح المجال أمام الضحايا للتعبير عما مروا به دون خوف أو وصمة. فالمجتمعات التي تسعى إلى حماية أفرادها لا يمكن أن تتجاهل معاناة الضحايا، بل تحتاج إلى آليات واضحة للدعم والحماية والمساءلة.
الاعتراف بالمشكلة هو الخطوة الأولى نحو معالجتها. فحين تُفتح المساحات للحوار، ويُمنح الضحايا الأمان للتحدث، يصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة هذه الظواهر، ليس فقط لمعالجة ما حدث، بل أيضاً لمنع تكراره في المستقبل.
اقرأ أيضًا: «بالحرام»… حين تختبئ الخيانة خلف كلمات الطمأنينة
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة


