في الدراما العربية الحديثة، لم تعد القصة تبدأ من الحب وتنتهي بالخيانة.
أصبحت تبدأ من الكسر نفسه. من الشقّ الصغير الذي يتوسّع في القلب قبل أن يُرى في العيون.
بين “بالحرام” و“ننسى اللي كان” لا نقف أمام عملين متشابهين بقدر ما نقف أمام رؤيتين مختلفتين لفكرة واحدة: ماذا يحدث عندما يسقط الإنسان في لحظة ضعف؟ وهل يمكن للحياة أن تعود كما كانت؟
بالحرام… السقوط تحت الضوء
“بالحرام” لا يمنح شخصياته وقتاً طويلاً للاختباء. الحدث الصادم حاضر منذ البداية، كجرس إنذار لا يتوقف.
الإيقاع سريع، الكاميرا تلاحق الانفعالات، الموسيقى تشحن المشهد، والسيناريو يضغط على الأعصاب.
هنا، الخطأ ليس فعل فردي، بل انفجار اجتماعي. المرأة تُدان قبل أن تُفهم.
الرجل يُبرَّر قبل أن يُحاسَب. والمجتمع يقف دائماً في موقع القاضي.
لكن العمل لا يكتفي بالإثارة.
هو يُدخل المشاهد إلى المنطقة الرمادية، حيث يصبح السؤال أصعب من الإجابة:
هل الذنب لحظة عابرة أم قدر طويل؟
هل الإنسان يُختصر بخطئه؟
نقدياً، يعتمد العمل على قوة الصورة والحدث أكثر من عمق الحوار أحياناً. هو مسلسل يعرف كيف يشدّ المتفرج، لكنه أحياناً يغامر بتكثيف الدراما على حساب التأمل.
ومع ذلك، يبقى “بالحرام” نموذجاً لدراما المواجهة: دراما تكشف المستور وتضعه في العلن.
ننسى اللي كان… الألم بصوت منخفض
على الضفة الأخرى، يسير “ننسى اللي كان” بإيقاع مختلف. لا صدمة فجائية، بل تراكم بطيء. لا انفجار درامي حاد، بل نزيف داخلي هادئ.
هنا، لا يركّز العمل على الفعل بقدر ما يركّز على أثره. والماضي ليس حدثاً انتهى، بل ظلّ يمشي خلف الشخصيات.
السؤال ليس “من أخطأ؟” بل “هل يمكننا أن نعيش بعد الخطأ؟”
المعالجة أقرب إلى التأمل النفسي.
الحوار أطول، المساحات الصامتة أعمق، والوجع يتسرّب بهدوء.
نقدياً، يُحسب للعمل قدرته على بناء شخصيات واقعية لا تعتمد على الصدمة. لكنه قد يخسر جزءاً من الجمهور الذي يبحث عن الإثارة السريعة.
“ننسى اللي كان” هو دراما المصالحة المؤجلة… أو ربما دراما العجز عن المصالحة.
أي دراما تمثلنا أكثر؟
“بالحرام” يشبه زمن الانكشاف:
كل شيء يُعرض، كل خطأ يُفضح، وكل علاقة قابلة للانهيار العلني.
أما “ننسى اللي كان” فيشبه الزمن الداخلي:
الزمن الذي نعيشه بصمت، حين نحاول أن نُقنع أنفسنا أن النسيان ممكن.
الأول يقول إن الخيانة تغيّر المصير.
الثاني يقول إن الذكرى أقسى من الخيانة نفسها.
الخلاصة النقدية
المسلسلان لا يختلفان في الموضوع بقدر ما يختلفان في زاوية النظر.
واحد يرى الخطأ كحدث مدوٍّ.
والآخر يراه كندبة طويلة الأمد.
لكن الأهم أن كليهما يطرح سؤالاً يتجاوز الدراما:
هل الإنسان مجموع أخطائه؟
أم مجموع محاولاته للنهوض بعدها؟
في النهاية، ربما لا ننسى اللي كان.
وربما، في لحظة ضعف، كل الطرق قد تقود إلى “بالحرام”.
وهنا وصل إلى قوة الدراما… حين تجعلنا نرى أنفسنا، لا الشخصيات فقط.
الخلاصة
“بالحرام” يضع الخطأ تحت ضوء كاشف.
“ننسى اللي كان” يضعه داخل القلب.
بين العملين، نرى انتقال الدراما من فضح الفعل إلى تحليل أثره.
من سؤال “لماذا حدث؟” إلى سؤال “كيف نعيش بعد أن حدث؟”.
وربما هذا هو التطوّر الحقيقي:
حين تصبح الدراما مساحة لفهم الإنسان… لا لمحاكمته فقط.
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

