في قصة ماثيو بيري، لم تعد المأساة محصورة في رحيل نجم أحبّه العالم من خلال شخصية “تشاندلر” في مسلسل Friends. فالقضية، مع تطوراتها الأخيرة، خرجت من دائرة الحزن الفني إلى سؤال أكثر قسوة: ماذا يحدث عندما يتحوّل الشخص المكلّف بالحماية إلى جزء من الخطر؟
شقيقتا ماثيو بيري، كايتلين ومادلين موريسون، وجّهتا اتهامات مؤلمة لمساعده الشخصي السابق كينيث إيواماسا، معتبرتين أنه لم يخذل شقيقهما فقط، بل تركه “في حوض ساخن ليموت”، وفق ما ورد في إفادات التأثير على الضحايا المقدّمة للمحكمة. هذه العبارة وحدها تكفي لتفتح بابًا كاملًا من الأسئلة: هل كانت وفاة بيري مجرد نهاية مأساوية لصراع طويل مع الإدمان؟ أم أنها كشفت شبكة من الاستغلال، الإهمال، والاعتياد على التعامل مع الإنسان الضعيف كأنه مصدر نفوذ أو مال؟

القضية تعود إلى 28 أكتوبر 2023، حين عُثر على ماثيو بيري ميتًا في منزله بلوس أنجلوس، عن عمر 54 عامًا. وخلصت التحقيقات إلى أن الوفاة ارتبطت بالتأثيرات الحادة لمادة الكيتامين، وهي مادة قد تُستخدم طبيًا ضمن ضوابط صارمة، لكنها تصبح خطيرة جدًا عندما تُعطى خارج الإشراف الطبي. ما زاد قسوة المشهد أن مساعده الشخصي، الذي كان يعيش معه ويُفترض أنه من أقرب الدوائر إليه، أقرّ بأنه حقنه بالكيتامين رغم عدم امتلاكه أي تدريب طبي.
مادلين موريسون كتبت في إفادتها أن اكتشاف ما فعله كينيث كان أشبه بموت شقيقها مرة ثانية. فالمشكلة، كما تفهمها العائلة، لم تكن فقط في الجرعة القاتلة، بل في الشعور بالخيانة. أن يثق إنسان هشّ بشخص يراه قريبًا منه، ثم يكتشف أحباؤه لاحقًا أن هذا القريب كان جزءًا من سلسلة الخطر… هنا لا يعود الموت حدثًا واحدًا، بل يتحول إلى جرح يتجدد مع كل تفصيل جديد.

أما كايتلين، فطرحت السؤال الأخلاقي الأصعب: هل كانت الجرعة القاتلة حادثًا؟ أم أن مغادرة المنزل بعد ذلك كانت هروبًا من مسؤولية معروفة؟ هي لا تقول إنها تعرف ما دار في ذهنه، لكنها تضع الاحتمالين أمام المحكمة والرأي العام: إما أنه أدرك ما فعل، أو أنه ترك شخصًا ضعيفًا في وضع بالغ الخطورة. وفي الحالتين، تبقى النتيجة واحدة: ماثيو بيري لم يكن فقط ضحية مادة مخدرة، بل ضحية دائرة سمحت للخطر أن يصل إلى جسده مرارًا.
الأكثر إيلامًا أن بيري لم يكن يخفي صراعه مع الإدمان. لقد تحدّث عنه مرارًا، وكتب عنه، وحاول أن يحوّل تجربته إلى مساحة لمساعدة الآخرين. لكن المفارقة أن الإنسان الذي بنى جزءًا من صورته الأخيرة على الصراحة مع ألمه، وجد نفسه محاطًا بمن لم يتعامل مع هذا الألم كإنذار، بل كفرصة. هنا يصبح السؤال الجدلي أكبر من ماثيو بيري نفسه: هل الشهرة تحمي أصحابها، أم تجعل ضعفهم أكثر قابلية للاستغلال؟
القضية لم تقف عند المساعد الشخصي وحده. خمسة أشخاص أُدينوا أو أقرّوا بالذنب في اتهامات مرتبطة بتزويد بيري بالكيتامين، بينهم طبيبان وشخصيات متورطة في توفير المادة. إحدى المتهمات، جاسفين سانغا، المعروفة إعلاميًا باسم “ملكة الكيتامين”، حُكم عليها بالسجن 15 عامًا، بينما صدرت أحكام أخرى بحق متورطين في سلسلة التزويد والتوزيع. هذه التفاصيل تكشف أن ما حدث لم يكن لحظة منفصلة، بل شبكة امتدت من الطلب إلى التوفير، ومن الحقن إلى الصمت.

لكن السؤال الأكثر إزعاجًا يبقى: أين تنتهي مسؤولية الشخص المريض أو المدمن؟ وأين تبدأ مسؤولية من حوله؟ صحيح أن الإدمان معركة شخصية، لكن عندما يكون الشخص في حالة ضعف، وتحيط به دائرة تملك الوصول إلى جسده وبيته وقراراته اليومية، تصبح المسؤولية مضاعفة. فالمساعد الشخصي ليس طبيبًا، وليس فقط موظف عادي أيضًا. في حالة بيري، كان قريبًا بما يكفي ليعرف الخطر، وقريبًا بما يكفي ليمنعه، وقريبًا بما يكفي — بحسب العائلة — ليكون جزءًا منه.
هذه القصة لا تسقط مأساة بيري على شخص واحد فقط، لكنها تضعنا أمام أزمة أوسع في حياة المشاهير: العزلة وسط الزحام. فالنجم قد يملك المال، الشهرة، والجمهور، لكنه قد يفتقد في لحظة حرجة إلى أبسط ما يحتاجه الإنسان: شخص يقول له “لا” عندما يصبح الرفض إنقاذًا. كم من النجوم يحيط بهم أشخاص يتقنون تنفيذ الرغبات، لكنهم يفشلون في حماية الحياة؟ وكم من “المقرّبين” يصبحون خطرًا لأن قربهم لا يقوم على المحبة، بل على المصلحة؟

ماثيو بيري رحل، لكن قضيته ترفض أن تُغلق بسهولة. لأن التفاصيل التي ظهرت لاحقًا جعلت الرحيل يبدو أكثر التباسًا وقسوة، وفتحت الباب أمام قراءة تتجاوز فكرة الموت الفردي إلى مسؤولية المحيطين به. فهناك فرق كبير بين سقوط إنسان تحت ثقل ضعفه، وسقوطه بينما يشارك آخرون، بشكل مباشر أو غير مباشر، في دفعه نحو النهاية، ثم يلوذون بالصمت أو الأعذار.
قصة ماثيو بيري ليست فقط حكاية نجم أنهكه الإدمان، بل حكاية ثقة انكسرت في المكان الأكثر حساسية: في البيت، وبيد شخص كان يُفترض أن يكون خط الدفاع الأخير. وربما لهذا تبدو كلمات شقيقتيه موجعة إلى هذا الحد؛ لأنهما لا تتحدثان عن موت فقط، بل عن خيانة سبقت الموت ولحقت به.
يبقى السؤال الذي يطارد هذه القضية:
هل كان ماثيو بيري ضحية جرعة قاتلة… أم ضحية منظومة كاملة رأت ضعفه ولم تتوقف؟
اقرأ أيضًا: وفاة مايكل كيتينغ نجم الدراما البريطانية الشهير عن عمر ناهز 79 عاماً
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

