لفهم سلوك إيران في المواجهات الكبرى، لا يكفي تحليل القدرات العسكرية أو الحسابات الجيوسياسية فقط، بل يجب التعمق في البنية الفكرية والأيديولوجية التي تشكل عقل النظام السياسي في طهران، وكذلك فهم طبيعة المجتمع الإيراني نفسه.
الأيديولوجيا الثورية للنظام
يقوم النظام الإيراني منذ قيام الثورة عام 1979 على مزيج من الثورية السياسية والعقيدة الدينية. فالنخب الحاكمة، وخاصة داخل الحرس الثوري والمؤسسات المرتبطة بالمرشد الأعلى، ترى نفسها امتداداً لمشروع ثوري يواجه ما تعتبره هيمنة غربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة.
هذه الرؤية تجعل المواجهة مع واشنطن جزءاً من الهوية السياسية للنظام، وليس مجرد خلاف سياسي عابر. ولذلك فإن الخطاب الرسمي غالباً ما يقدم الصراع بوصفه معركة مبدئية تتجاوز الحسابات التقليدية للربح والخسارة.
البعد الديني في الخطاب السياسي
إلى جانب البعد الثوري، يعتمد النظام الإيراني على رمزية دينية قوية مستمدة من التراث الشيعي، وخصوصاً رمزية واقعة كربلاء. ففي الخطاب السياسي الإيراني كثيراً ما تُستحضر شخصية الإمام الحسين باعتبارها رمزاً للتضحية في مواجهة قوة أكبر.
هذا النوع من الرمزية يمنح الصراع بعداً أخلاقياً وروحياً في الخطاب الداخلي، حيث يُقدَّم الصمود أمام الضغوط الخارجية بوصفه امتداداً لقيم التضحية والثبات على المبدأ.
الفارق بين الماضي والحاضر
من المهم أيضاً فهم الفرق بين إيران اليوم وإيران في مراحل تاريخية سابقة. ففي القرنين التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وقعت الدولة القاجارية على اتفاقيات تنازلت بموجبها عن أراضٍ واسعة لصالح الإمبراطورية الروسية، مثل مناطق في القوقاز التي تشمل اليوم أذربيجان وأرمينيا وجورجيا.
لكن تلك القرارات كانت تُتخذ في إطار نظام ملكي تقليدي يركز على الحفاظ على العرش. أما النظام الحالي فيقدم نفسه كنظام ثوري عقائدي يرى أن التنازل في مواجهة الضغوط قد يهدد شرعيته السياسية والأيديولوجية.
تباين الرؤى داخل المجتمع الإيراني
على الرغم من قوة الخطاب الأيديولوجي للنظام، فإن المجتمع الإيراني أكثر تنوعاً وتعقيداً مما يُصوَّر أحياناً. فإيران تضم نحو 90 مليون نسمة، وتتباين مواقفهم السياسية والاجتماعية بشكل كبير.
يمكن التمييز بين عدة اتجاهات داخل المجتمع:
1-التيار الأيديولوجي الموالي للنظام
ويضم شرائح مرتبطة بالمؤسسات الدينية والأمنية، إضافة إلى بعض القواعد الشعبية التي ترى في النظام حامياً للهوية الإسلامية والسيادة الوطنية.
2-التيار الإصلاحي أو الأقل تشدداً
وهو قطاع واسع من المجتمع، خصوصاً في المدن الكبرى، يميل إلى الانفتاح الثقافي والسياسي ويطالب بإصلاحات داخلية.
3-البعد القومي الفارسي
إلى جانب الهوية الدينية، يلعب الشعور القومي دوراً مهماً في تشكيل المواقف داخل إيران. فكثير من الإيرانيين، حتى ممن يختلفون مع النظام، يتفقون على فكرة الكرامة الوطنية ورفض الضغوط الخارجية.
القومية والهوية في لحظات الأزمات
في أوقات الأزمات الكبرى، تميل المجتمعات غالباً إلى الالتفاف حول فكرة الدفاع عن الوطن، حتى وإن كانت هناك خلافات داخلية. وهذا ما قد يفسر ظهور مظاهر تعبئة وطنية في بعض اللحظات داخل إيران، حيث تختلط الهوية الدينية بالهوية القومية الفارسية.
خلاصة المشهد
إن فهم إيران يتطلب النظر إليها كدولة تجمع بين ثلاثة عناصر أساسية:
-نظام سياسي ذو طابع ثوري أيديولوجي
-خطاب ديني يستند إلى رمزية تاريخية قوية
-مجتمع متنوع يجمع بين النزعات الدينية والقومية والنزعة الحداثية
هذا المزيج يجعل سلوك إيران في الأزمات أكثر تعقيداً، ويصعّب التنبؤ بردود فعلها وفق المعايير التقليدية في العلاقات الدولية.
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة


