في الأزمات الكبرى، لا تُقاس خطورة المرحلة فقط بما يحدث على الأرض، بل أيضًا بمن يقف خلف القرار. اليوم، ومع تصاعد الصراعات في الشرق الأوسط وامتداد تأثيرها إلى الاقتصاد العالمي، يعود اسم دونالد ترامب إلى الواجهة، ليس فقط كرئيس أمريكي، بل كعامل متغير في معادلة شديدة الحساسية.
تصريحات بيرني ساندرز، السيناتور عن ولاية فيرمونت وأحد أهم رموز التيار التقدمي في الولايات المتحدة، لم تكن وليدة اللحظة، بل تؤكد حالة قلق متنامية داخل المشهد الأمريكي نفسه. فعندما يصف دونالد ترامب بأنه يميل إلى “السلطوية”، فهو لا يكتفي بإطلاق حكم سياسي عابر، بل يسلّط الضوء على نهجٍ في الحكم يقوم على تركيز الصلاحيات، وتجاوز آليات التوازن التقليدية، والتعامل مع القضايا الكبرى بعقلية فردية تميل إلى الشخصنة أكثر من اعتمادها على المؤسسات.
في سياق الحرب الحالية، يصبح هذا النمط أكثر خطورة. فالعالم لا يقف اليوم على حافة صراع عسكري تقليدي، بل على حافة أزمة مركبة، تتداخل فيها الجغرافيا مع الاقتصاد، والطاقة مع السياسة. أي قرار غير محسوب، أو حتى تصريح غير مدروس، يمكن أن يفتح الباب أمام سلسلة من التفاعلات التي يصعب احتواؤها.
ما يلفت الانتباه في سلوك ترامب، كما يصفه منتقدوه، ليس فقط حدّته، بل طبيعته غير المتوقعة. فهو لا يتحرك دائمًا وفق قواعد الدبلوماسية الكلاسيكية، بل يميل إلى:
-التصعيد اللفظي المفاجئ
-اتخاذ قرارات حادة دون تمهيد
-استخدام الضغط الاقتصادي والسياسي بشكل مباشر
هذه المقاربة قد تُفسَّر من زاويتين متناقضتين.
الأولى ترى فيها نوعًا من “استراتيجية الصدمة”، حيث يتم رفع سقف التهديد إلى الحد الأقصى لإجبار الخصوم على التراجع أو التفاوض. في هذا الإطار، تصبح التصريحات القاسية جزءًا من لعبة تفاوض، وليست بالضرورة مقدمة لحرب.
أما الزاوية الثانية، وهي التي يحذر منها ساندرز، فترى أن هذا الأسلوب قد يخرج عن السيطرة. لأن العالم اليوم أكثر تشابكًا من أي وقت مضى، وأي تصعيد في منطقة حساسة مثل الشرق الأوسط قد يتحول سريعًا إلى أزمة عالمية، خصوصًا مع ارتباطه بأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
في هذا المشهد، لا يمكن فصل السياسة الأمريكية عن مسار الحرب. فواشنطن لا تزال لاعبًا رئيسيًا، وأي تغيير في نهجها يؤثر مباشرة على توازن القوى. وإذا كان ترامب يميل فعلًا إلى قرارات أكثر حدة وأقل تقيدًا بالمؤسسات، فإن ذلك يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل نحن أمام محاولة لفرض واقع جديد، أم أمام مغامرة قد تتجاوز الحسابات؟
المفارقة أن ما يبدو “قوة” في هذا الأسلوب، قد يكون في الوقت نفسه نقطة ضعفه. فالتصعيد المستمر يرفع سقف التوقعات، لكنه يقلل من هامش التراجع. وكل خطوة إلى الأمام تصبح أصعب في التراجع عنها، خاصة في بيئة دولية متوترة.
وفي خضم هذه الفوضى، يظهر عنصر آخر لا يقل أهمية: الداخل الأمريكي. فالصراع السياسي داخل واشنطن، بين من يدعم هذا النهج ومن يعارضه، يضيف طبقة جديدة من التعقيد. ما يقوله ساندرز يثبت هذا الانقسام، حيث يرى أن المعركة لم تعد فقط حول السياسات، بل حول طبيعة النظام نفسه، وحدود السلطة فيه.
في النهاية، قد لا يكون السؤال: ماذا سيفعل ترامب؟
بل: إلى أي مدى يمكن للعالم أن يتحمل قرارات غير متوقعة في لحظة شديدة الحساسية؟
لأن الحقيقة التي تتشكل ببطء، هي أن الحروب اليوم لا تبدأ دائمًا بصوت الرصاص…
بل أحيانًا تبدأ بكلمات.
اقرأ أيضًا: ما قصة الدبلوماسية في ظل التصعيد؟ قراءة في رسائل واشنطن المتناقضة
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

