وسط توتر إقليمي لم يعد يحتمل المزيد من الرسائل الغامضة، عاد دونالد ترامب ليضع ملف إيران في قلب المشهد السياسي والأمني، لكن هذه المرة من بوابة “الصفقة المحتملة” لا من بوابة الحرب المفتوحة فقط.
التصريح الذي نُقل عن ترامب، والذي هاجم فيه الديمقراطيين وبعض الجمهوريين المعارضين له، يكشف أن ما يجري خلف الكواليس يتجاوز حدود التفاوض الدبلوماسي العابر، ليأخذ شكل معركة سياسية في واشنطن حول ملامح الاتفاق الممكن مع طهران. وحول الثمن الذي قد تدفعه الولايات المتحدة وحلفاؤها مقابل تهدئة التوتر في الخليج.

بحسب تقارير صحفية، يدور الحديث عن إطار تفاوضي قد يشمل وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار، وإعادة فتح مضيق هرمز، وتخفيف بعض القيود أو العقوبات، مقابل التزامات إيرانية تتعلق بالممرات البحرية والملف النووي. لكن اللافت أن هذا المسار لم يمرّ بهدوء في المعسكر الجمهوري نفسه؛ إذ عبّر عدد من الجمهوريين المتشددين عن قلقهم من أن تتحول الصفقة إلى تنازل سياسي يمنح إيران مكاسب اقتصادية من دون ضمانات كافية بشأن برنامجها النووي.
المفارقة هنا أن ترامب، الذي بنى خطابه السياسي لسنوات على مهاجمة اتفاق أوباما النووي مع إيران، يجد نفسه اليوم أمام اختبار مشابه ولكن بصيغة مختلفة: كيف يعقد اتفاقًا مع طهران من دون أن يبدو وكأنه يعيد إنتاج ما سبق أن وصفه بالفشل؟ وكيف يوازن بين رغبته في إعلان “إنجاز كبير” وبين ضغط الجمهوريين الذين يعتبرون أي تخفيف للضغط على إيران خطوة خطيرة؟
يشكّل مضيق هرمز واحدًا من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، إذ ترتبط به حركة النفط، واستقرار الأسواق، وأمن الملاحة، والتوازن الاستراتيجي لدول الخليج. لذلك، فإن أي تهدئة حول مضيق هرمز تعني تهدئة القلق في المنطقة كلها.

لكن حتى الآن، ما زالت ملامح الاتفاق غير مكتملة، وما يجري أقرب إلى اختبار سياسي معقّد منه إلى تسوية جاهزة للإعلان. تقارير أخرى أشارت إلى أن ترامب تراجع عن الاستعجال، مؤكدًا أن “الوقت في صالحنا”، وأن واشنطن لن تندفع نحو اتفاق غير مضمون، خصوصًا مع استمرار الخلاف حول تفاصيل حساسة، بينها الضمانات النووية وموقف إيران من مخزون اليورانيوم المخصب.
الحقيقية المعقّدة هي: أي اتفاق يمكن أن يخرج من هذا التوتر؟
ليست المشكلة في وجود تفاوض مع إيران، فالدبلوماسية في لحظات التصعيد تكون ضرورة. المشكلة في طبيعة الصفقة نفسها: هل ستكون اتفاقًا يخفف النار مؤقتًا؟ أم تسوية أوسع تعيد رسم قواعد الاشتباك في الخليج؟ وهل ستكون دول المنطقة شريكة في صناعة المفاوضات، أم ستكون متلقية لنتائج تفاوض

يجري فوق رؤوسها؟
ما يجري اليوم يوحي بأن واشنطن لا تبحث فقط عن مخرج من التصعيد، بل عن صيغة تحفظ ماء الوجه: لا حرب مفتوحة تُرهق المنطقة، ولا اتفاق ضعيف يُقدَّم كهدية سياسية لطهران. وبين الاثنين، تبقى دول الخليج في موقع شديد الحساسية؛ تراقب، تتحسب، وتدرك أن أي جملة في واشنطن قد تتحول إلى ارتداد في أسواق النفط أو حركة الملاحة أو أمن الموانئ.
في النهاية، قد لا يكون السؤال: هل يوقّع ترامب صفقة مع إيران؟
بل السؤال الأعمق: هل ستكون هذه الصفقة بداية تهدئة حقيقية… أم عبارة عن استراحة قصيرة قبل جولة جديدة من التوتر؟
اقرأ أيضًا: زيارة ترامب إلى الصين … صفقات كبرى ورسائل سياسية خلف الأبواب المغلقة
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

