حين يُذكر اسم جيفري إبستين لا يعود الحديث عن شخص بقدر ما يتحول إلى شبكة معقدة من العلاقات والنفوذ والمال والسلطة.
ما يُعرف إعلاميا بـ “منظومة الستين” لا يشير فقط إلى عدد من الأسماء، بل إلى طبقة من العلاقات المتداخلة التي امتدت عبر السياسة والمال والإعلام وحتى العمل الخيري، في نموذج كلاسيكي يوضع كيف يتخفّى النفوذ خلف بريق الوجوه اللامعة.
السؤال الأهم ليس من كان يعرف إبستين، بل كيف استمرت شبكته لسنوات من دون أن تتفكك مبكرا. هنا تبدأ قراءة أكثر عمقا: هذه المنظومات لا تسقط دفعة واحدة، لأنها ليست جريمة فردية تقليدية، بل بنية مصالح. كل اسم مرتبط بآخر، وكل ملف يقود إلى شبكة من المحامين والاتفاقات والضغوط والعلاقات العامة.
فتح الملفات واحدا تلو الآخر ليس صدفة ولا تباطؤا بيروقراطيا فقط. في القضايا المعقدة ذات الامتدادات الدولية، تعتمد السلطات على مبدأ التدرج القضائي. كل وثيقة تُنشر أو تُفك سريتها قد تمس بحقوق ضحايا، أو تؤثر على محاكمات قائمة، أو تكشف أسماء لم تثبت إدانتهم قانونيا. لذلك نرى أجزاء تُكشف بعد قرارات محاكم، وأخرى تُحجب لحماية سير العدالة.
في قضية إبستين، لعبت محاكم فدرالية في نيويورك دورا محوريا في التعامل مع الوثائق، بينما استمرت التحقيقات الفيدرالية في مسارات موازية عبر أجهزة إنفاذ القانون. كل جهة لها إيقاعها القانوني، وهذا يخلق لدى الرأي العام شعورا بأن الحقيقة تُقَسَّم على مراحل، لا تُعرض دفعة واحدة.
هناك أيضا عامل آخر أكثر حساسية: الأسماء الكبيرة. عندما تتقاطع القضية مع شخصيات نافذة، يصبح كل سطر في وثيقة قابلا لأن يتحول إلى معركة قانونية. فرق المحامين تطعن، تطلب الحجب، أو تؤجل النشر. وهكذا تتحول الوثائق إلى ساحة صراع بحد ذاتها، لا مجرد أوراق محفوظة في الأرشيف.
إدانة شريكة إبستين السابقة غيسلين ماكسويل أظهرت أن المنظومة لم تكن خيالا إعلاميا. لكنها في الوقت نفسه كشفت حدود ما يمكن أن يصل إلى العلن. فالمحاكم تحاكم أفرادا بناء على أدلة محددة، بينما الرأي العام يبحث عن الصورة الكاملة، وهي صورة قد لا تُعرض أبدا في ملف قضائي واحد.
الإعلام بدوره يلعب دورا مزدوجا. من جهة يضغط لكشف الحقيقة، ومن جهة أخرى قد يخلط بين الشبهات والحقائق، ما يمنح بعض الأطراف ذريعة إضافية لطلب السرية بحجة حماية العدالة. وهكذا ندخل حلقة مفرغة: كلما زاد الفضول الشعبي، زادت المعارك القانونية حول ما يجب كشفه ومتى.
فتح الملفات تدريجيا إذن ليس فقط عبارة عن إدارة وقت، بل إدارة مخاطر: مخاطر قانونية، سياسية، ودبلوماسية أحيانا. في قضايا بهذا الحجم، الحقيقة لا تخرج كاعتراف مفاجئ، بل كفسيفساء بطيئة الاكتمال، قد لا نرى منها أبدا سوى أجزاء.
وهنا يبقى السؤال الجدلي الذي يطارد هذه القضية: هل ما يُكشف لنا هو فعلا كل ما تسمح به العدالة، أم فقط كل ما تسمح به موازين القوة؟
اقرأ أيضًا: الأمير أندرو ومكان إقامته الجديد بعد ملفات إبستين!
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

