ليست فيروز امرأة عادية مرّت بها الحياة، ثم أثقلتها الخسارات. هي حالة إنسانية نادرة، تعلّمت باكرًا كيف تُخفي الألم كي لا تجرحه أكثر، وكيف تُمسك بالحزن من الداخل حتى لا يفيض على الناس.
في وقت اعتاد الصراخ، اختارت الصمت لغة.
وفي زمنٍ يبيع الوجع على الشاشات، آثرت أن تعيشه بعيدًا عن العيون، بكرامة تشبه صوتها: ثابتة، عميقة، ولا تطلب شفقة.
لم تكن الشهرة يومًا مشروع فيروز، بل جاءت إليها مصادفة الحاجة، ثم تحوّلت إلى قدر. دخلت الفن لتُعين عائلتها، لا لتصنع أسطورة، لكن الأسطورة وُلدت من صدقها، من ذلك الهدوء الذي لا يُشبه أحدًا، ومن صوتٍ لا يُنافس ولا يُقارن، لأنه ببساطة… خارج المقاييس.
فيروز لم تُقدّم حياتها الخاصة قربانًا للجمهور.
حمت بيتها كما يُحمى السرّ، وأغلقت أبوابها على وجعها، فبقيت أمًّا قبل أن تكون أيقونة، وإنسانة قبل أن تكون رمزًا.
وحين بدأت الخسارات، جاءت ثقيلة ومتتالية.

زوجٌ يرحل، ابنة تُنتزع فجأة من العمر، أبناءٌ لكلٍّ منهم قدره المختلف، ثم وجع يتراكم حتى يصبح الصبر نفسه مرهقًا.
لكن أقسى الفقد… هو الذي لا يشبه سواه. فقد الابن الذي كان الرفيق اليومي، الظلّ القريب، الوجود الذي يدور الزمن حوله ببطء. فقدٌ يُربك ترتيب الحياة، ويترك الأم أمام فراغ لا تُجدي معه الحكمة ولا التجربة.
في المشهد الأخير، لم تكن هناك أسطورة، ولا تاريخ، ولا موسيقى. كانت أمًّا فقط، تقف على مسافة خطوة من نعش ابنها، تحاول أن تبقى واقفة. دمعة أفلتت، لا لأنها ضعفت، بل لأن الجسد لم يعد يحتمل هذا القدر من الوداع.

إلى جانبها، كانت ريما الحبيبة والحنونة. الابنة التي حملت العبء الصامت، وورثت مسؤولية الضوء والظل معًا. ثِقل الحب، وثِقل الاسم، وثِقل أن تكون سندًا لأمٍّ صار الفقد جزءًا من يومها.
فيروز أعطت الناس فنّها…
أما حياتها، فاحتفظت بها لنفسها. ولهذا تحديدًا، بقيت أكبر من الحكايات، وأصدق من كلّ الضجيج.
اقرأ أيضًا: تشييع هلي الرحباني بحضور فيروز في بكفيا
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

