في خضم التصعيد المتكرر بين الولايات المتحدة وإيران، هناك سؤال جوهري في التحليلات الاستراتيجية: هل يمكن أن تنتهي هذه المواجهة باستسلام إيراني أو بانقسام داخلي داخل النظام؟ قراءة طبيعة النظام السياسي الإيراني وتاريخه تشير إلى أن هذا السيناريو يبدو مستبعداً إلى حد كبير، على الأقل في المدى القريب.
ما وراء الأحداث
لفهم سلوك إيران في الأزمات الكبرى، يجب النظر أولاً إلى طبيعة القوى التي تدير الدولة. فالنظام الإيراني الحالي لا يقوم فقط على مؤسسات سياسية تقليدية، بل يستند إلى بنية أيديولوجية عميقة تقودها مؤسسات مثل الحرس الثوري والمجلس القيادي المرتبط بالمرشد الأعلى.
هذه المؤسسات لا تتعامل مع الصراع من منظور سياسي براغماتي فقط، بل من منظور عقائدي يعتبر الصمود والمواجهة جزءاً من هوية النظام ذاته. لذلك فإن فكرة الاستسلام أو التراجع الكامل أمام الضغط الخارجي لا تُنظر إليها كخيار سياسي، بل كتهديد وجودي للنظام.
ولهذا السبب يرى العديد من المحللين أن قادة إيران قد يفضلون الاستمرار في المواجهة حتى في ظروف صعبة، لأنهم يدركون أن الاستسلام قد لا يعني نهاية الصراع، بل ربما نهاية النظام نفسه.
التاريخ الإيراني وتجارب الاستسلام السابقة
صحيح أن إيران في مراحل تاريخية سابقة اضطرت إلى توقيع اتفاقيات أو قبول تحديات كبرى من قوى دولية، سواء في مواجهة الإمبراطورية الروسية القيصرية أو خلال الغزو الأنغلو-سوفيتي في القرن العشرين. لكن الظروف الحالية مختلفة تماماً.
إيران اليوم ليست دولة تقليدية ضعيفة، بل دولة تمتلك بنية أمنية وعسكرية معقدة وشبكة نفوذ إقليمي، إضافة إلى منظومة عقائدية متماسكة داخل مؤسساتها الحاكمة. وهذا ما يجعل احتمالية انهيارها السريع أو قبولها باستسلام كامل أمراً غير مرجح.
سوء فهم متبادل بين واشنطن وطهران
إحدى الإشكاليات الكبرى في هذا الصراع هي في الفجوة الإدراكية بين الطرفين. فبعض دوائر القرار في الولايات المتحدة تتعامل مع إيران بمنطق الضغط المتصاعد، معتقدة أن زيادة العقوبات والضربات العسكرية قد تدفع النظام إلى التراجع.
لكن هذا النهج قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة. فبدلاً من دفع إيران إلى التنازل، قد يعزز الخطاب الداخلي القائم على المقاومة والصمود، ويزيد من تماسك النظام في مواجهة ما يُصوَّر داخلياً كتهديد خارجي وجودي.
التصعيد العسكري ومعادلة “السلام بالقوة”
السياسة الأمريكية، خاصة في بعض المراحل، اعتمدت على مفهوم “السلام بالقوة”، أي استخدام القوة العسكرية لفرض تسوية سياسية. إلا أن هذه المقاربة تصبح أكثر تعقيداً عندما يكون الطرف المقابل مستعداً لتحمل كلفة المواجهة لفترة طويلة.
وفي هذا السياق، قد تتحول المواجهة إلى صراع استنزاف طويل، بدلاً من تحقيق حسم سريع. فكل طرف يسعى إلى اختبار قدرة الآخر على الصمود، وهو ما يزيد احتمالات اتساع الصراع إقليمياً.
كيف تعتمد إيران على الضغط الإقليمي لتجنب المواجهة المباشرة؟
تشير بعض التحليلات إلى أن إيران لا تعتمد فقط على المواجهة المباشرة، بل تسعى أيضاً إلى توسيع نطاق الضغط عبر أدوات متعددة، من بينها استهداف المصالح الاقتصادية أو البنية التحتية الحيوية في المنطقة.
وفي هذا السياق، يُفسَّر تركيز بعض الهجمات على منشآت الطاقة أو المراكز الاقتصادية في الخليج بوصفه جزءاً من استراتيجية تهدف إلى نقل كلفة الصراع إلى نطاق إقليمي ودولي أوسع، ما قد يؤثر في أسواق الطاقة ويزيد الضغط السياسي على القوى الغربية.
عامل الزمن في الصراع
سؤال آخر يطرح نفسه بقوة: ماذا لو طال أمد الحرب؟
إيران تبدو مستعدة نظرياً لخوض صراع طويل، اعتماداً على قدراتها الصاروخية وشبكاتها الإقليمية، إضافة إلى قدرتها على إدارة الاقتصاد في ظل العقوبات.
في المقابل، يبقى الرأي العام في الدول الغربية عاملاً مهماً في تحديد مدى استمرار العمليات العسكرية، خاصة إذا تحولت الحرب إلى صراع طويل ومكلف.
المشهد الختامي: صراع مستمر دون حسم في الأفق
المشهد الحالي يشير إلى أن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران ليس فقط مواجهة عسكرية، بل هو صراع إرادات واستراتيجيات طويلة الأمد. فكل طرف يسعى إلى فرض معادلات ردع جديدة دون الوصول إلى مواجهة شاملة قد تكون مكلفة للجميع.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبدو أن السيناريو الأقرب ليس الحسم السريع، بل استمرار التوتر والتصعيد المتدرج، في منطقة لطالما كانت ساحة لتوازنات دقيقة بين القوة والسياسة.
اقرأ ايضًا: الصواريخ بعيدة المدى ومعادلة الردع: قراءة في الاستراتيجية الإيرانية والتفاعل الأمريكي
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة


