الأنباء الكويتية: الحمد: توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم استثمار استراتيجي حقيقي في عقول أجيالناالأنباء الكويتية: ترامب: إيران وافقت بشكل نهائي على أعلى مستويات التفتيش النوويالأنباء الكويتية: الحمد: توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم استثمار استراتيجي حقيقي في عقول أجيالناالأنباء الكويتية: ترامب: إيران وافقت بشكل نهائي على أعلى مستويات التفتيش النوويالأنباء الكويتية: «الإطفاء» تدعو للتأكد من صلاحية أجهزة التكييف وعدم تحميل المقابس الكهربائية فوق طاقتها لتجنب الحرائقالأنباء الكويتية: خروج مغذيين فرعيين من محطة التحويل الرئيسية بالخالدية يقطع التيار عن جزء محدود من العديليةالأنباء الكويتية: «الجهاز المركزي» يدعو المسجلين لديه لإتمام إجراءات القيد واستخراج شهادات ميلاد لأبنائهم
من ماركوس أوريليوس إلى أرذل العمر… لماذا لا نعرف الإنسان إلا متأخرًا؟
من ماركوس أوريليوس إلى أرذل العمر… لماذا لا نعرف الإنسان إلا متأخرًا؟

من ماركوس أوريليوس إلى أرذل العمر … لماذا لا نعرف الإنسان إلا متأخرًا؟

ليست حقيقة الإنسان دائمًا فيما يقوله عن نفسه، ولا في الصورة التي يحاول أن يرسمها أمام الناس. فهناك مواقف تضغط على النفس، وتُسقط الزينة الخارجية، وتكشف ما في الداخل من صبر أو تذمّر، رحمة أو قسوة، اتزان أو فوضى. ومن أكثر المواقف التي تكشف الإنسان نفسه: المرض، والسفر، والكِبَر.

في المرض، تظهر علاقة الإنسان بضعفه. هناك من يجعله المرض أكثر قربًا من الله، أكثر تواضعًا، وأكثر إحساسًا بالآخرين، وكأن الألم يفتح في داخله باب الرحمة. وهناك من يكشفه المرض على صورة أخرى؛ فيصبح قاسيًا، غاضبًا، ناكرًا، لا يرى إلا ألمه ولا يشعر بمن حوله. وقد علّمنا القرآن أن لحظات الضعف تحتاج إلى صبر واستعانة بالله، فالله تعالى يقول: “وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ”. فالمرض لا يختبر الجسد وحده، بل يختبر الروح: هل تصبر؟ هل ترقّ؟ هل تتواضع؟ أم يتحوّل الألم إلى قسوة؟

وفي الإنجيل أيضًا يحضر معنى الرحمة كقيمة تكشف جوهر الإنسان، فقد جاء: “طوبى للرحماء، لأنهم يُرحمون”. والرحمة هنا لا تعني فقط رحمة الإنسان بغيره، بل أيضًا رحمة قلبه حين يتألم، فلا يسمح للمرض أن يسرق منه إنسانيته. فهناك من يخرج من المرض أنقى، أهدأ، وأكثر فهمًا للحياة، وهناك من يخرج منه أشد غضبًا وكأن التجربة لم تعلّمه إلا المرارة.

أما السفر، فهو امتحان آخر للشخصية. في السفر يتغيّر المكان، وتتبدّل العادات، ويخرج الإنسان من راحته اليومية. عند التعب، التأخير، الاختلاف، وضغط التفاصيل الصغيرة، تظهر الطباع الحقيقية. قد يبدو الإنسان هادئًا في حياته العادية، لكنه في السفر يكشف قلة صبره وسرعة غضبه. وقد يبدو عاديًا، ثم تراه في السفر كريمًا، مرنًا، متعاونًا، يعرف كيف يخفف التوتر ولا يزيده. لذلك قيل إن السفر يكشف الأخلاق، لأنه يضع الإنسان خارج صورته المرتّبة.

والفلسفة تنظر إلى هذه المواقف باعتبارها اختبارًا لحقيقة النفس. فالإنسان عند سقراط وأفلاطون لا يُعرف من مظهره، بل من اختياراته عندما يواجه التعب والمسؤولية والضغط. أما الرواقيون، ومنهم ماركوس أوريليوس وسينيكا وإبكتيتوس، فكانوا يرون أن قوة الإنسان تظهر عندما يواجه المرض، الخسارة، التعب، أو الظلم، ثم يبقى ثابتًا ومحترمًا ولا ينهار أخلاقيًا.

ويبقى الكِبَر من أصدق الامتحانات التي تكشف جوهر الإنسان. فحين يتقدّم الإنسان في العمر، تخف قوته، وتتراجع قدرته على السيطرة، وتسقط عنه بعض المظاهر التي كان يختبئ خلفها في شبابه. عندها تظهر حقيقته كما هي: فهناك من يجعله الكبر أكثر هدوءًا ورحمة وحكمة، لأن أخلاقه كانت أصيلة في داخله، وهناك من يصبح أكثر قسوة وشرسًا وتذمرًا، لأن ما يظهر في آخر العمر قد يكون امتدادًا لما كان مخفيًا في النفس.

وقد أشار القرآن الكريم إلى مرحلة الضعف في قوله تعالى: “وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ”، وهي مرحلة تذكّر الإنسان بحقيقة الدنيا وتقلباتها، وأن القوة لا تدوم، والجسد لا يبقى كما كان. لذلك لا يكشف الكبر ضعف الجسد فقط، بل يكشف عمق الروح أيضًا: هل نضجت بالرحمة؟ أم انكشفت بما كانت تحمله من قسوة؟

في النهاية، قد لا يحتاج الإنسان إلى سنوات طويلة ليعرف حقيقة نفسه. أحيانًا يكفي مرض يختبر صبره، أو سفر يختبر أخلاقه، أو كِبَر يكشف ما استقر في روحه. فهناك من تصقله التجارب فيصبح أكثر نبلًا وهدوءًا، وهناك من تكشفه الظروف كما كان في داخله منذ البداية.

ويبقى السؤال الأجمل والأصعب:
عندما يختبرنا المرض، ويتعبنا السفر، ويأخذ العمر من قوتنا… أي حقيقة ستظهر منا؟ هل سنصبح أكثر رحمة وحكمة؟ أم ستكشفنا المواقف كما نحن بلا أقنعة؟

اقرأ أيضًا: تحذير من «تعفّن الدماغ»: كيف يهدد المحتوى الرديء على السوشيال ميديا صحتنا العقلية؟

ليما الملا

 

من ماركوس أوريليوس إلى أرذل العمر… لماذا لا نعرف الإنسان إلا متأخرًا؟
من ماركوس أوريليوس إلى أرذل العمر… لماذا لا نعرف الإنسان إلا متأخرًا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *