حين يختار الفنان الرائع تيم حسن أن يقدّم حلقة بعنوان “مولانا”، فهو لا يقدّم دور درامي عابر، بل يفتح نافذة واسعة على أسئلة ثقيلة تمسّ الروح والسلطة والإنسان في أضعف لحظاته.
الحلقة ليست حكاية تقليدية عن رجل دين أو شخصية ذات مكانة اجتماعية، بل رحلة نفسية عميقة في دهاليز النفس البشرية.
في “مولانا” نرى إنسانًا يقف على الحافة بين صورته أمام الناس وحقيقته التي يخفيها عنهم. ليس بطلاً مثالياً ولا شخصية أحادية البعد، بل كياناً يتصارع مع الشكوك، ويتحمّل عبء التوقعات، ويواجه اختبارًا قاسيًا بين ما يؤمن به وما يُفرض عليه أن يمثّله.
وهنا نصل إلى قوة الحلقة؛ فهي لا تتعامل مع القداسة كقيمة مطلقة، بل كمسؤولية ثقيلة قد تتحوّل إلى قيد.
أداء تيم حسن ذكياً ولافتاً، يعتمد على الصمت بقدر اعتماده على الحوار، وعلى النظرة بقدر اعتماده على الكلمة. يترك مساحات فراغ محسوبة بدقة، وكأنه يدعو المشاهد لقراءة ما وراء التعبير الظاهر. هذا الاقتصاد في الأداء يمنح الشخصية عمقًا إنسانيًا، ويجعل الصراع الداخلي أكثر صدقًا وتأثيرًا.
الحلقة تطرح سؤالًا مؤلمًا: ماذا يحدث عندما يصبح الإنسان رمزًا؟ حين تتحوّل صورته العامة إلى سجن لا يستطيع الخروج منه؟ في تلك اللحظة، لا يعود الصراع خارجيًا فحسب، بل يصبح مواجهة مباشرة مع الذات. وبين الرغبة في الحفاظ على المكانة، والخوف من السقوط، يتشكل توتر درامي مشوّق لا يعتمد على الأحداث الصاخبة بقدر ما يعتمد على الغليان الداخلي.
الإخراج يدعم هذا العمق النفسي بإيقاع متوازن، وإضاءة تميل إلى الظلال، وكأنها تعكس ازدواجية الحالة. الحوارات مكثفة، لكنها بعيدة عن المباشرة، تترك للمشاهد فرصة التأمل والتفسير. هناك ثقة واضحة بعقل المتلقي، وهو ما يمنح العمل قيمة فكرية إلى جانب قيمته الفنية.
“مولانا” ليست حلقة درامية فحسب، بل تأمل ذكي في طبيعة السلطة الروحية، وفي هشاشة الإنسان حين يُوضع في مقام أعلى من طاقته. إنها تجربة تُشاهد بالقلب والعقل معًا، وتؤكد مرة أخرى أن الفن الحقيقي هو ذلك الذي يثير الأسئلة أكثر مما يقدّم الإجابات. فهل يبقى “مولانا” سيد صورته أمام الناس، أم أنه في لحظة ما سيختار أن يكون إنسانًا قبل أن يكون رمزًا؟
تصفح دليل كوليس الرمضاني 2026 لمتابعة المستجدات الخاصة بكافة الأعمال الفنية من مسلسلات وبرامج وكافة الاعمال الفنية لشهر رمضان 2026.
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

