بينما تميل بعض الدول إلى عسكرة الخلافات السياسية، نجد داخل الولايات المتحدة صوت يرفض التصعيد ويدعو إلى الاحتكام للقانون الدولي.
هذا الصوت يتمثل في موقف زهران ممداني، الذي عبّر بوضوح عن معارضته لما جرى في فنزويلا، واضعًا التدخل الأمريكي في إطار مساءلة قانونية وأخلاقية.
ما يميز موقف ممداني أنه لم يكتفِ بإصدار بيان أو اتخاذ موقف إعلامي، بل أعلن أنه تواصل مباشرة مع الرئيس الأمريكي لتسجيل اعتراضه الرسمي. هذا الاعتراض، كما أوضح، لا يقوم على اعتبارات ظرفية أو اصطفافات سياسية، بل يستند إلى موقف مبدئي ثابت يرفض سياسات تغيير الأنظمة بالقوة، لما تحمله من انتهاك صريح للقانون وتداعيات خطيرة على الاستقرار الدولي.
يرى ممداني أن ما حدث في فنزويلا يمثل خرقًا للقانون الفيدرالي الأمريكي، إلى جانب كونه انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي. فالدولة التي تُقدّم نفسها بوصفها حامية للنظام الدولي القائم على القواعد، لا يمكنها أن تتجاوز هذه القواعد حين تتعارض مع مصالحها السياسية أو الاستراتيجية. احترام القانون، في نظره، يجب أن يكون التزامًا دائمًا، لا شعارًا يُرفع عند الحاجة ويُهمل عند التعارض.
ويشدد ممداني على خطورة ازدواجية المعايير في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث يتم التنديد بانتهاكات دول أخرى، بينما يُغضّ الطرف عن ممارسات مشابهة عندما تصدر عن واشنطن. هذا التناقض، بحسب تحليله، لا يضعف فقط مصداقية الولايات المتحدة، بل يفتح الباب أمام مناخ دولي أكثر فوضوية، تُدار فيه العلاقات بين الدول وفق قانون القوة لا قوة القانون.
كما يلفت ممداني إلى أن التدخلات العسكرية غالبًا ما تُسوّق بخطاب أخلاقي يتحدث عن نشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان، في حين تُظهر التجارب السابقة أن نتائج هذه السياسات تكون في كثير من الأحيان عكسية، إذ تؤدي إلى زعزعة الاستقرار، وتعميق الأزمات الإنسانية، وإطالة أمد الصراعات بدل حلها.
في هذا السياق، يؤكد ممداني أن موقفه لا ينطلق من دفاع عن أي نظام سياسي بعينه، بل من دفاع عن مبدأ الشرعية القانونية وحق الشعوب في تقرير مصيرها بعيدًا عن الضغوط العسكرية والتدخلات الخارجية. وهو يرى أن قوة الولايات المتحدة الحقيقية لا تكون في قدرتها على فرض إرادتها، بل في قدرتها على الالتزام بالقانون واحترام سيادة الدول.
في المحصلة، لا يعبّر موقف زهران ممداني عن اعتراض عابر على حدث بعينه، بل يصف توجّهًا آخذًا في الاتساع داخل السياسة الأمريكية يدعو إلى مراجعة جذرية لنهج التدخل الخارجي برمّته. توجّه يرفض اختزال النفوذ في القوة العسكرية، ويعيد الاعتبار لفكرة أن الشرعية الدولية واحترام القانون هما أساس الاستقرار الحقيقي.
هذا الطرح يضع صناع القرار في واشنطن أمام اختبار أخلاقي وسياسي واضح: إما أن تكون الولايات المتحدة قوة عالمية يُحتكم إليها بالقانون وتُقاس مكانتها بمدى التزامها بالمبادئ التي ترفعها، أو أن تستمر في نهج يرسّخ الهيمنة ويقوّض مصداقيتها على المدى الطويل. وفي اوضاع تزداد هشاشة، قد يكون هذا الاختيار هو ما سيحدد شكل الدور الأمريكي في السنوات القادمة.
اقرأ أيضًا: منطق القوة أم قوة القانون؟ ساندرز يضع حرب فنزويلا في قفص الاتهام
اضغط هنا وشاهد الفيديو
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

