في وقتنا الحالي يتقن فيه الجميع فنّ الادّعاء، نادرًا ما يجرؤ شخص عام على أن يكون حقيقيًا. نادرًا ما يختار البوح بدل الأقنعة، والصدق بدل الصورة المثالية. من هنا، جاء حديث نيشان مع نادين خوري كمساحة مختلفة، مساحة إنسانية قبل أن تكون إعلامية، ومساحة اعتراف لا استعراض.
ما طُرح في هذا اللقاء لم يكن قصة ضعف، بل قصة مواجهة. مواجهة مع الفقد، مع الاكتئاب، مع الأدوية النفسية، ومع مجتمع لا يزال يخلط بسطحية مؤذية بين المرض النفسي وغياب القوة. نادين خوري لم تطلب شفقة، ولم تبحث عن تعاطف مجاني، بل قالت ببساطة ما يعيشه كثيرون بصمت: أن الألم لا يُمحى بقرار، وأن الذكريات لا تُحذف كما تُحذف الملفات من هاتف.
الفقد، خصوصًا فقدان الأخ، ليس حدثًا عابرًا في السيرة الذاتية، بل شرخ طويل الأمد في الروح. بيت واحد، صور واحدة، تفاصيل يومية تتحوّل إلى محفّزات موجعة. في مثل هذه الحالات، يصبح العلاج النفسي، والإشراف الطبي، وحتى المهدئات، وسائل بقاء لا علامات ضعف. وهنا نستوعب أهمية الرسالة التي وصلت بوضوح: ليس كل من يتناول دواءً مكسورًا، وليس كل من يبتسم متعافيًا.
الأخطر في مجتمعاتنا ليس المرض، بل الوصم. ذلك الشعور بأن على الإنسان أن “يتماسك” فقط لأن الآخرين قرروا أن الحزن ضعف، وأن الاكتئاب نقص إيمان، وأن العلاج النفسي رفاهية. نادين خوري وضعت إصبعها على الجرح حين قالت إن من لم يعش التجربة، لا يملك حق إصدار الأحكام. فالألم ليس مسابقة، ولا بطولة، ولا مقياسًا للأخلاق.
في المقابل، بدا نيشان هنا في دوره الأهم: المستمع. لا المحقّق، ولا القاضي، بل الإنسان الذي يترك المساحة آمنة. وهذا بحد ذاته موقف مهني وأخلاقي في إعلام اعتاد على استدراج الانكسارات لا احتضانها. فالفرق شاسع بين من “يستخرج” الاعتراف، ومن “يؤمّن” له مكانًا محترمًا.
الحديث عن التمثيل الاجتماعي كان من أكثر النقاط صدقًا: أن يُطلب من الإنسان أن يكون قويًا دائمًا، لطيفًا دائمًا، حاضرًا دائمًا، فيما داخله ينهار. أن يصبح التمثيل خارج الكاميرا أصعب من أي دور على الشاشة. هذه ليست مبالغة، بل واقع يعيشه كثيرون، خصوصًا من تربّوا على قيم لم تعد تشبه إيقاع هذا الزمن القاسي والسريع.
ما قيل في هذا اللقاء ليس رسالة فردية، بل بيان إنساني عام: دعوا الناس تتعالج. دعوا الناس تحزن. دعوا الناس تعترف. وتوقّفوا عن التفلسف على آلام لا تشبهكم.
في النهاية، القوة ليست في إنكار الوجع، بل في الاعتراف به.
والشجاعة ليست في الصمت، بل في الكلام حين يكون الصمت أكثر راحة.
وما قيل في هذا اللقاء هو تذكير ضروري بأن الصحة النفسية ليست ترفًا، بل حق، وأن التعاطف ليس ضعفًا، بل إنسانية.
اقرأ أيضًا: محمد قيس ويومي في «عندي سؤال»: أين يقف الحوار بين القناعة الشخصية والتأثير المجتمعي؟
اضغط هنا وشاهد الفيديو
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

