حين تتكلم العيون بدل الكلمات… منذر رياحنة يصنع وجعًا حيًّا في “أعوام الظلام”
حين تتكلم العيون بدل الكلمات… منذر رياحنة يصنع وجعًا حيًّا في “أعوام الظلام”

حين تتكلم العيون بدل الكلمات… منذر رياحنة يصنع وجعًا حيًّا في “أعوام الظلام”

في الدراما، هناك شخصيات تمرّ مرورًا عابرًا، وأخرى تترك أثرًا لا يهدأ بسهولة. شخصية “أبو غضب” التي قدّمها منذر رياحنة في مسلسل “أعوام الظلام” تنتمي بوضوح إلى الفئة الثانية؛ فهي ليست عبارة عن دور مكتوب بإتقان، بل تجربة شعورية كاملة لتصل إلى الشاشة بثقل إنساني واضح، وكأنها مرآة لسنوات من الألم المكبوت.

منذ اللحظة الأولى لظهوره، لا يحتاج “أبو غضب” إلى كثير من الحوار ليعلن حضوره. يكفي أن يلتفت بنظرة مشحونة بالتعب، أو أن يلتزم الصمت في لحظة متوترة، حتى يشعر المشاهد بأنه أمام شخصية تعيش صراعًا داخليًا حقيقيًا. هذا التوازن في التعبير لم يكن صدفة، بل جاء نتيجة أداء مدروس اعتمد على لغة الجسد بقدر ما اعتمد على الكلمة، ليمنح الشخصية عمقًا نفسيًا نادرًا في الأعمال الدرامية.

حين تتكلم العيون بدل الكلمات… منذر رياحنة يصنع وجعًا حيًّا في “أعوام الظلام”

الجدل الذي رافق الشخصية بين المتابعين كان دليلًا على نجاحها؛ فالبعض رأى فيها نموذجًا لأشخاص دفعتهم الظروف القاسية إلى القسوة، بينما اعتبرها آخرون تحذيرًا دراميًا من أن يتحول الغضب إلى قدر يقود الإنسان نحو خسارات أكبر. هذا الانقسام في القراءة يثبت أن الشخصية لم تكن سطحية، بل مفتوحة على تأويلات متعددة، وهو ما يميز الكتابة الدرامية الذكية.

في “أعوام الظلام”، لا يظهر أبو غضب كشرير تقليدي أو بطل مطلق، بل كرجل أنهكته الحياة. ماضٍ مثقل بالخسارات، وواقع يضغط عليه باستمرار، يجعلان ردود فعله حادة أحيانًا ومؤلمة أحيانًا أخرى. لكن خلف تلك الصلابة، تلوح لحظات إنسانية خاطفة تكشف هشاشة دفينة، وكأن الشخصية تعيش صراعًا دائمًا بين ما تريد إخفاءه وما تفضحه الظروف.

حين تتكلم العيون بدل الكلمات… منذر رياحنة يصنع وجعًا حيًّا في “أعوام الظلام”

اعتمد منذر رياحنة على نبرة صوت منخفضة تحمل توترًا مكتومًا، وعلى حضور جسدي قوي يفرض احترامه دون صراخ أو مبالغة. النظرات الطويلة والصمت في بعض المشاهد أدّيا وظيفة سردية لا تقل أهمية عن الحوار نفسه، ليبدو الأداء وكأنه يكتب قصة موازية داخل القصة الأصلية. هذا النوع من التمثيل يعني نضجًا واضحًا في التعامل مع الشخصيات المركبة، ويمنح المشاهد فرصة لقراءة ما وراء المشهد لا الاكتفاء بسطحه.

حين تتكلم العيون بدل الكلمات… منذر رياحنة يصنع وجعًا حيًّا في “أعوام الظلام”

أما المسلسل نفسه، فينطلق من قصة المواطن الكويتي بدر المطيري، الذي يُحكم عليه بالسجن سبع سنوات قبل أن تنكشف براءته، لتتحول حياته إلى رحلة قاسية من الألم والندوب النفسية. ومن خلال هذه الحبكة، تظهر شخصيات عديدة تساهم في بناء عالم مشحون بالتوتر، من إخراج محمد سلامة وتأليف بدر المطيري، وبمشاركة نخبة من النجوم مثل حمد العماني، عبد الله الطليحي، انتصار، إيمان الحسيني، شوق الهادي، عبد العزيز مندني، وفاطمة البصيري.

حين تتكلم العيون بدل الكلمات… منذر رياحنة يصنع وجعًا حيًّا في “أعوام الظلام”

في النهاية، يمكن القول إن “أبو غضب” ليس شخصية عابرة في موسم رمضاني مزدحم، بل حالة درامية متكاملة ترسخ حضور منذر رياحنة كممثل قادر على تحويل الألم إلى أداء ملموس. شخصية صادمة، واقعية، ومليئة بالتناقضات… تترك أثرها لأنها بدت أقرب إلى الحياة من الخيال.

اقرأ أيضًا: بالحرام وماغي بوغصن… أداء واقعي يخطف المشاعر ويشعل تفاعل الجمهور في كل مشهد

ليما الملا

حين تتكلم العيون بدل الكلمات… منذر رياحنة يصنع وجعًا حيًّا في “أعوام الظلام”
حين تتكلم العيون بدل الكلمات… منذر رياحنة يصنع وجعًا حيًّا في “أعوام الظلام”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *