في السنوات الأخيرة، لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مساحة للكبار فقط، بل أصبحت عالمًا يقتحم براءة الأطفال يوميًا… أحيانًا بطرح جميل، وأحيانًا بطريقة تثير القلق أكثر مما تثير الإعجاب.
ظاهرة الأطفال على السوشيال ميديا لم تعد عبارة عن فيديوهات عائلية عفوية أو لحظات لطيفة يشاركها الأهل مع الأقارب، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى صناعة كاملة تُبنى على المشاهدات، والإعلانات، والترند، وحتى الشهرة المبكرة.
والسؤال هنا لا يتعلق فقط بوجود الأطفال على الإنترنت، بل بطريقة تقديمهم.
هناك فرق كبير بين طفل يظهر بطبيعته، يضحك ويتصرف بعفوية تناسب عمره، وبين طفل يتم تدريبه على الأداء أمام الكاميرا وكأنه نجم بالغ يعيش في عالم الشهرة قبل أن يفهم حتى معنى هذا العالم.
اليوم، نشاهد أطفالًا بعمر العشر أو الحادية عشرة يتحدثون بطريقة أكبر من أعمارهم، ويرتدون أزياء لا تشبه طفولتهم، ويقلدون تفاصيل عالم الكبار بشكل يطرح تساؤلات حقيقية حول الحدود بين “المحتوى” و”استغلال الطفولة”.
الأخطر أن بعض الأطفال أصبحوا يكبرون تحت ضغط دائم اسمه “التفاعل”. عدد المشاهدات، التعليقات، الإعلانات، الشهرة، والترند… كلها أمور قد تبدو للكبار لعبة إلكترونية بسيطة، لكنها بالنسبة لطفل ما زال في مرحلة التكوين النفسي قد تتحول إلى عبء طويل الأمد.
الطفل بطبيعته يحتاج إلى أن يخطئ بعيدًا عن أعين الناس، وأن يكتشف شخصيته بهدوء، وأن يعيش مراحل عمره تدريجيًا. لكن السوشيال ميديا أحيانًا تسلب منه هذه المساحة، وتحوله إلى “شخصية عامة” قبل أن يعرف نفسه أصلًا.
وهنا تظهر مسؤولية الأهل بشكل مباشر.
ليس كل انتشار إنجازًا، وليس كل شهرة نجاحًا صحيًا. بعض الآباء والأمهات ربما يعتقدون أنهم يمنحون أبناءهم فرصة للنجومية أو الثقة بالنفس، لكن المشكلة تبدأ حين تصبح الكاميرا أهم من راحة الطفل النفسية، وحين يتحول الطفل إلى مشروع محتوى يومي بدل أن يكون طفلًا يعيش حياته الطبيعية.
كما أن المجتمع نفسه يتحمل جزءًا من المسؤولية. فالمشكلة لا تتعلق فقط بمن يصنع هذا النوع من المحتوى، بل أيضًا بمن يشاهده ويدفعه للاستمرار. كل تفاعل مع المحتوى الذي يستغل براءة الأطفال أو يدفعهم لتقمص أدوار أكبر من أعمارهم، يساهم بطريقة أو بأخرى في تكريس هذه الظاهرة.
وفي كثير من الدول، بدأت الجهات الرقابية تفتح هذا الموضوع الخطير بجدية فيما يتعلق بحقوق الأطفال على الإنترنت، خاصة مع ازدياد الحالات التي تعرض فيها أطفال لتحديات نفسية، أو تنمر، أو استغلال تجاري بسبب الظهور المبكر والمكثف على السوشيال ميديا.
وربما أخطر ما في هذه الظاهرة أن الطفل قد يكبر يومًا ويكتشف أن طفولته كلها كانت “محتوى” يشاهده الغرباء.
فهل ما يحدث اليوم هو فقط تطور طبيعي لعصر السوشيال ميديا؟
أم أننا بدأنا فعلًا نخسر مفهوم الطفولة الهادئة والبسيطة أمام عالم لا يعرف التوقف عن التصوير والظهور؟
اقرأ أيضًا: تحذير من «تعفّن الدماغ»: كيف يهدد المحتوى الرديء على السوشيال ميديا صحتنا العقلية؟
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

