في صناعة الموسيقى، لا تبدأ المعركة دائمًا أمام الجمهور… بل غالبًا خلف الأبواب المغلقة. هناك، حيث تُكتب العقود، وتُحدد الحقوق، ويُقرَّر أحيانًا من يملك الأغنية… ومن يملك الفنان نفسه.
لهذا، لم يكن ما فعلته تايلور سويفت عبارة عن خلاف مع شركة إنتاج، بل لحظة مفصلية غيّرت طريقة نظر الفنانين إلى فكرة “الملكية”. عندما قررت إعادة تسجيل ألبوماتها القديمة بعد فقدان السيطرة على حقوقها، لم تكن تحاول استعادة أغنيات فقط… إنما استعادة قرارها الفني بالكامل.
تايلور سويفت فهمت مبكرًا أن النجاح لا يكفي إذا بقي الفنان خارج دائرة القرار. لذلك، استخدمت شهرتها لبناء استقلال حقيقي، يجعلها صاحبة الكلمة الأخيرة في فنّها، وصورتها، ومسارها.

وفي العالم العربي، تبدو إليسا وكأنها تقترب من الفكرة نفسها… لكن من زاوية مختلفة.
مشروع E Records لا يُقرأ كشركة إنتاج جديدة تدخل السوق، بل كمحاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الفنان والمؤسسة. إليسا لا تتحدث فقط كنجمة ناجحة، بل كفنانة عاشت التجربة من الداخل، واختبرت التحديات، والخلافات، وحدود الحرية التي تفرضها بعض الأنظمة الإنتاجية التقليدية.
لهذا، يبدو المشروع أقرب إلى منصة تُبنى “من الفنانين إلى الفنانين”، وليس فقط شركة تبحث عن أرباح سريعة أو أسماء جاهزة.
اللافت هنا أن إليسا لا تحاول نسخ التجارب العالمية حرفيًا، بل تستفيد من جوهرها. فكما استخدمت تايلور سويفت قوتها لاستعادة ملكية أعمالها، تحاول إليسا خلق مساحة تمنح الفنان منذ البداية حق المشاركة في القرار، لا أن يكتشف لاحقًا أنه مجرد اسم داخل منظومة أكبر منه.
الفكرة ليست جديدة عالميًا، لكنها نادرة عربيًا… خصوصًا عندما تأتي من فنانة بحجم وتأثير إليسا.

في الغرب، شهدنا نماذج مشابهة مع أسماء مثل ريانا عبر مشاريعها الخاصة، وجاي زي الذي حوّل Roc Nation إلى مساحة تجمع بين الإنتاج والإدارة والاستقلال الفني. لكن عربيًا، لا تزال التجربة محدودة، وغالبًا ما يبقى الفنان مرتبطًا بنظام إنتاج تقليدي يتحكم بالتفاصيل الكبرى والصغيرة.
ما تحاول إليسا طرحه يبدو أقرب إلى “الشراكة المرنة”. أحيانًا تدعم الشركة فنانًا ناشئًا بالكامل، من الإنتاج إلى التسويق، مقابل نسبة من الأرباح. وأحيانًا أخرى، يشارك الفنان بالتكاليف ليحصل على مساحة أكبر من الملكية والقرار. أي أن العلاقة لا تقوم على السيطرة… بل على التفاوض والعدالة حسب طبيعة المشروع.

وهنا تحديدًا، تظهر النقطة الأهم:
حرية الإبداع لا تعني الفوضى، بل تعني أن يكون للفنان حق اختيار صوته، وصورته، وأسلوبه، دون أن يتحول إلى نسخة تُصنع وفق معايير تجارية جاهزة.
ربما لهذا السبب، تبدو E Records محاولة لإعادة تشكيل عقلية كاملة، لا فقط إطلاق شركة جديدة.
في زمن التكنولوجيا والمنصات الرقمية، حيث يمكن صناعة النجومية بسرعة هائلة، لم تعد القوة حكرًا على من يملك المال أو أدوات التوزيع… بل على من يفهم الفنان، ويعرف كيف يحافظ على هويته وسط هذا الزحام.
وبين تجربة تايلور سويفت في استعادة ما خسرته، ومحاولة إليسا بناء مساحة تمنع خسارة الفنان من الأساس، يبدو السؤال أكبر من الموسيقى نفسها:
هل بدأت مرحلة جديدة يصبح فيها الفنان شريكًا حقيقيًا في مصيره… بدل أن يبقى مجرد صوت داخل عقد؟
اقرأ أيضًا: تفاصيل زفاف تايلور سويفت وترافيس المرتقب؟
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

