وصلنا إلى زمنٍ أصبحت فيه الدراما سباقًا محمومًا على نسب المشاهدة، لكن بعض الأعمال اختارت طريقًا أعمق، تعالج قضايا اجتماعية تُحاكي الإنسان مباشرة.
ويشكّل «بالدم» و«بالحرام» تذكيرًا بأن الفن الحقيقي لا يُصنع للترفيه فقط، بل ليحمل الوجع أيضًا… وجع الإنسان الذي يجلس وحيدًا أمام الشاشة، فيجد نفسه فجأة داخل الحكاية، وكأن أحدًا كتبها من داخل قلبه.
منذ اللحظة الأولى التي تنطلق فيها شارة مسلسل «بالدم» بصوت ماريلين نعمان، تتسلّل الكلمات بهدوء إلى الداخل، لا كأغنية عادية، بل كاعتراف طويل يهمس به كل شخص شعر يومًا بالغربة وسط الناس.
«عم حس إني غريبة وإني ما بشبهن…» ليست جملة غنائية فقط، بل سؤال وجودي يرافق جيلًا كاملًا يبحث عن مكانه، عن ذاته، عن معنى لحياته وسط ضجة وصخب لا يرحم.
الأغنية لا تكتفي بسرد الألم، بل تفتح جرحًا إنسانيًا عميقًا:
من نحن؟ ولماذا نشعر أننا غرباء حتى بين أقرب الناس؟
وحين تقول الكلمات «تمنّيت شي صديق ياخذني ع طريق»، يشعر المشاهد أن المسلسل لا يخاطب شخصية درامية فحسب، بل يخاطبه هو… وحدته، خوفه، وأسئلته التي لا يجرؤ على قولها بصوتٍ عالٍ.
ما يجعل التجربة أكثر تأثيرًا أن هذه الأغنية نفسها تعود في «بالحرام 2026»، ولكن بصوت فريق العمل. وكأن الدراما هنا تقول لنا: إن الوجع لم ينتهِ، وإن القضايا التي طُرحت ليست حكايات خيالية، بل واقعًا مستمرًا يتكرّر بأسماء مختلفة ووجوه جديدة.
اختيار الأغنية ذاتها ليس صدفة فنية، بل رسالة واضحة: المجتمع ما زال يدور في الدائرة نفسها، والأسئلة ما زالت بلا إجابات.
هذا التكرار يحمل معنى إنسانيًا عميقًا؛ فالقضايا التي تعالجها الأعمال ليست أحداث درامية، بل جراح اجتماعية حقيقية — شعور بالضياع، بحث عن الهوية، وحدة تزداد رغم كثرة الناس، ومحاولة دائمة للعثور على بصيص أمل وسط ثقل الحياة.
الدراما هنا لا تقدّم حلولًا جاهزة، ولا تدّعي امتلاك الإجابات. بل تفعل شيئًا أكثر صدقًا: تعترف بأننا جميعًا نعيش الأسئلة ذاتها. وربما لهذا السبب يبكي المشاهد… ليس حزنًا فقط، بل لأن أحدًا أخيرًا عبّر عمّا يعجز هو عن قوله.
في النهاية، يثبت «بالدم» و«بالحرام» أن قوة الفن ليست في قوة الترند، بل في الصدق. في تلك اللحظة التي يشعر فيها المشاهد أن الشاشة لم تعد شاشة، بل مرآة يلمح فيها ذاته بوضوحٍ مؤلمٍ وجميلٍ في الوقت نفسه. وعندما تنتهي الحلقة، تبقى الأغنية عالقة في الذاكرة، كأنها تسألنا من جديد:
أنا مين؟… وهل سنجد يومًا الطريق الذي يعيدنا إلى أنفسنا؟
تصفح دليل كوليس الرمضاني 2026 لمتابعة المستجدات الخاصة بكافة الأعمال الفنية من مسلسلات وبرامج وكافة الاعمال الفنية لشهر رمضان 2026.
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

