وسط تصاعد الأزمات إقليميًا، لا يصبح الألم هو القضية الوحيدة… بل كيفية استيعابه والتعامل معه.
ما يُنقل من لبنان اليوم، بما يحمله من وجع إنساني واضح، لا يمكن قراءته كأحداث منفصلة أو عابرة. ما يحدث يتجاوز حدود الجغرافيا، ليطرح سؤالًا أوسع: كيف أصبح الإنسان في منطقتنا آخر ما يُفكَّر به؟
في مثل هذه الأوضاع، تتقدم السياسة بكل أدواتها: حسابات، مصالح، توازنات، وأولويات مرتبطة بالدولة وموقعها. هذا واقع لا يمكن تجاهله. لكن في المقابل، يتراجع صوت الإنسان، وكأن معاناته تفصيل ضمن مشهد أكبر.
المفارقة ليست فقط في حجم الأزمة، بل في ردود الفعل عليها.
بدل أن يتحول الألم إلى نقطة التقاء، نراه يتحول إلى مساحة خلاف. تتجه النقاشات نحو الاتهامات، وتُطرح الأسئلة بصيغة انقسامية: من مع من؟ ومن ضد من؟
وهنا، يفقد الحدث جوهره.
القضية لم تعد إنسانية بقدر ما أصبحت موقفًا. والوجع لم يعد جامعًا… بل مُفرِّقًا.
في هذا السياق، تلعب المنصات دورًا مضاعفًا. ليست فقط ناقلًا للمشهد، بل مساهمًا في تشكيله.
جزء من المحتوى يسعى إلى التوعية، نقل الصورة، وتحفيز الدعم.
لكن في المقابل، هناك خطاب آخر يتغذى على الاستفزاز، ويعيد إنتاج الانقسام.
وبين هذا وذاك، يقف المتلقي أمام سيل من الرسائل المتناقضة، فيتحول من متابع إلى طرف، ومن شاهد إلى مشارك في الجدل.
في المقابل، تتبنى دول الخليج أسلوبًا مختلفًا قائمًا على خفض التوتر، والعمل الدبلوماسي، ومعالجة الأزمات بهدوء.
هذا النهج لا يعني غياب الموقف، بل يعني طريقة مختلفة في التعامل مع التعقيدات، حيث تُقدَّم الاستقرار والحفاظ على الإنسان كأولوية، دون الدخول في دوائر استنزاف مفتوحة.
وهو ما يفتح بابًا مهمًا للتفكير:
هل يمكن أن تكون الحكمة في خفض الصوت… لا في رفعه؟
ما يمر به لبنان اليوم لا يمكن اختزاله في سياق داخلي فقط. هناك تداخلات سياسية، وتوازنات مختلة، وأدوار متعددة لها تداعيات على بنية الدولة نفسها.
حين تضعف المؤسسات، وتخرج موازين القوة عن إطارها الطبيعي، يصبح المجتمع أكثر عرضة للتعب والإنهاك.
وهنا، لا تكون الأزمة في حدث واحد… بل في تراكم طويل من الاختلالات.
ما الذي يمكن فعله؟
ربما لا يملك الاشخاص القدرة على تغيير المعادلات السياسية،
لكنهم يملكون شيئًا لا يقل أهمية: طريقة التفاعل.
-دعم بدل الاتهام
-وعي بدل الانجراف
-تضامن بدل الانقسام
في الأزمات، الكلمة ليست صغيرة… إما أن تُهدئ المشهد أو تُشعل ما تبقّى منه.
ما يحدث اليوم ليس اختبارًا للسياسة فقط…بل اختبار للوعي.
هل نبقى أسرى ردود الفعل؟
أم نعيد تعريف دورنا كأشخاص في لحظة حساسة؟
في النهاية،
قد لا نستطيع إيقاف الأزمات…
لكن يمكننا ألا نكون جزءًا من تعقيدها.
اقرأ أيضًا: رامي عياش وعائلته… وجع لبنان في صورة… وأمل لا ينكسر
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

