في المشاهد التي تبدو مشتعلة من الخارج، هناك دائمًا هدوء بارد في الداخل، حيث تُصاغ القرارات بعبارات مزدوجة، وتُرسل الرسائل بنبرة محسوبة، لا تقول كل شيء ولا تُخفيه بالكامل. هكذا يبدو المشهد اليوم، ليس كحربٍ واضحة المعالم، بل كحالة توتر مُدارة بعناية، تقف على حافة الانفجار دون أن تسقط فيه.
تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس: لا يمكن قراءتها ككلمات عابرة، بل كمؤشر على هذا التوازن الدقيق. حين يتحدث عن “تحقيق الأهداف” وفي الوقت ذاته يُبقي الحديث مفتوحًا عن تهديد مستمر، فهو لا يقدّم رواية واحدة، بل روايتين متوازيتين. الأولى موجهة للداخل، حيث يحتاج إلى طمأنة جمهور قلق، وإلى إثبات أن الإدارة لا تبدو ضعيفة أو مترددة، خصوصًا في بيئة سياسية لا تغفر التراجع. أما الثانية، فهي موجهة للخارج، حيث يجب أن تبقى صورة القوة قائمة، دون إغلاق الباب أمام احتمال التفاوض.
هذا التناقض الظاهري ليس ارتباكًا بقدر ما هو الصورة الحقيقية للصراع في واشنطن نفسها. هناك من يرى في اللحظة فرصة لإعادة تشكيل التوازن في المنطقة عبر الضغط العسكري، حتى لو كان الثمن تصعيدًا خطيرًا. وهناك من يعتقد أن القوة يجب أن تُستخدم فقط كوسيلة لجرّ الطرف الآخر إلى طاولة التفاوض، لا كهدف بحد ذاته. وفي الخلفية، يقف تيار ثالث، أكثر حذرًا، يخشى أن يتحول كل ذلك إلى مستنقع جديد، يشبه تجارب سابقة لم تخرج منها الولايات المتحدة بسهولة.
وسط هذه الخطوط المتقاطعة، تبدو التصريحات وكأنها تحمل أكثر من معنى، أو ربما تتعمد ذلك. فهي لا تعلن حربًا شاملة، لكنها لا تتحدث عن سلام. لا تغلق الباب، لكنها لا تفتحه بالكامل. إنها حالة “اللا-حسم” المقصود، حيث يُستخدم الغموض كأداة سياسية، لا كخلل في الموقف.
أما فكرة التفاوض، فهي حاضرة، لكن ليس بالشكل التقليدي. ليس تفاوضًا بين طرفين متساويين، بل محاولة لفرض شروط من موقع قوة. غير أن هذه المقاربة تصطدم بعقبة أساسية: انعدام الثقة. فالتجارب السابقة، خاصة ما يتعلق بالاتفاقات التي لم تصمد، تجعل أي حديث عن تفاوض يبدو هشًا، أو على الأقل مشروطًا بحذر شديد من الطرف الآخر.
في هذا السياق، يتضح أن الهدف ليس بالضرورة تغيير النظام بشكل مباشر، بل استنزافه على المدى الطويل، عبر مزيج من الضغط الاقتصادي، والتوتر الأمني، وإبقاء حالة عدم الاستقرار قائمة. إنها استراتيجية لا تعتمد على ضربة واحدة حاسمة، بل على تراكم بطيء يُضعف دون أن يُسقط فورًا.
لكن الأخطر من كل ذلك، هو أن هذا النوع من الصراعات لا يبقى محصورًا في الإطار السياسي أو العسكري فقط. تأثيراته تمتد سريعًا إلى الاقتصاد، حيث تبدأ الأسواق بالاهتزاز قبل أن تُطلق أي رصاصة إضافية. أسعار الطاقة ترتفع، سلاسل الإمداد تتعطل، والاستثمارات تدخل في حالة ترقب. ومع كل يوم يمر دون حسم، يزداد احتمال أن يتحول التوتر إلى عبء عالمي، لا إقليمي فقط.
وهنا تظهر الصورة الكاملة: نحن لسنا أمام حرب شاملة، ولا أمام سلام حقيقي، بل أمام منطقة رمادية، تُدار فيها الأزمة بجرعات محسوبة من التصعيد والتهدئة. كل طرف يحاول أن يدفع دون أن يكسر، وأن يضغط دون أن ينفجر الوضع بالكامل. لكن المشكلة في هذا النوع من التوازن، أنه هش بطبيعته، ويمكن أن ينهار نتيجة خطأ واحد، أو حساب غير دقيق.
في النهاية، لا يمكن فهم هذا المشهد من خلال تصريح واحد أو موقف واحد، بل من خلال قراءة شبكة كاملة من الإشارات المتناقضة التي تتكامل لتشكّل سياسة قائمة على “إبقاء كل الخيارات مفتوحة”. وهذا بحد ذاته، قد يكون أخطر ما في الأمر، لأن اللعب على الحافة لا يعني دائمًا القدرة على تجنب السقوط.
اقرأ أيضًا: من طاولة التفاوض إلى غرفة العمليات: كيف أصبحت أزمة إيران وأمريكا اختبارًا للنظام العالمي؟
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

