في كل مرة تعود فيها طهران وواشنطن إلى طاولة التفاوض، لا يكون السؤال الحقيقي: هل سيتوصلان إلى اتفاق؟ بل: أي صورة للعالم سينتصر داخل نص الاتفاق؟
المسألة لم تعد تقنية تتعلق ببنود نووية أو نسب تخصيب، بل صراع عميق بين رؤيتين للنظام الدولي، تتجسدان في مفاوضين يمثل كل منهما سردية سياسية كاملة.
المفاوض القادم من إيران لا يجلس بصفته مسؤولاً تقنياً فحسب، بل كحامل لذاكرة سياسية ثقيلة: عقوبات ممتدة، انسحابات أميركية سابقة من اتفاقات، وضغط اقتصادي يرى فيه الداخل الإيراني استهدافًا للسيادة لا مجرد أداة دبلوماسية. لذلك، يتحول كل بند في أي اتفاق محتمل إلى مسألة كرامة وطنية بقدر ما هو مسألة تقنية. أي صياغة قد توحي بإملاء خارجي تُعدّ خسارة سياسية داخلية، حتى لو كانت مكسبًا عمليًا.
في المقابل، يتحرك المفاوض الأميركي تحت سقف معقد من الحسابات. في الولايات المتحدة الأميركية، السياسة الخارجية ليست قرارًا تنفيذيًا فقط، بل ساحة صراع داخلي بين البيت الأبيض والكونغرس ومراكز النفوذ، إضافة إلى الحلفاء الإقليميين الذين يراقبون كل سطر في الاتفاق بقلق. لذلك، لا يكفي أن يكون الاتفاق “مقبولاً” دبلوماسيًا، بل يجب أن يكون “قابلاً للتسويق” سياسيًا داخل واشنطن. وهنا تبدأ الفجوة: ما تراه طهران ضمانات مبهمة، تراه واشنطن ضرورة رقابية؛ وما تعتبره إيران مرونة مرحلية، قد يُقرأ في واشنطن كثغرة استراتيجية.
هذه الهوة في تعريف المفاهيم هي جوهر التعقيد. فالكلمات في هذه المفاوضات ليست عبارة عن أدوات صياغة، بل أدوات قوة. الفرق بين “تعليق” و“رفع” العقوبات ليس لغويًا فقط، بل سياسي واقتصادي واستراتيجي. ترتيب البنود، توقيت التنفيذ، آليات التحقق… كلها تتحول إلى معارك صامتة تؤكد انعدام الثقة المتراكم عبر عقود.
لكن الأخطر أن هذه المفاوضات لا تجري في فراغ. أي تقارب بين طهران وواشنطن يعيد رسم خريطة التوازنات في الشرق الأوسط. دول الخليج تراقب بحذر، إسرائيل ترى في التفاصيل تهديدًا وجوديًا محتملًا، وأسواق الطاقة تتفاعل فورًا مع أي تسريب أو إشارة إيجابية. الاتفاق، إن حصل، لن يكون ثنائيًا في أثره، بل إقليميًا ودوليًا، من أسعار النفط إلى مسارات الصراعات بالوكالة.
في الوقت ذاته، يفاوض الطرفان وهما محمّلان بضغوط داخلية متزايدة. في إيران، الاقتصاد المثقل بالعقوبات يجعل الشارع أكثر حساسية لأي تنازل يُفسَّر كضعف. وفي الولايات المتحدة، المناخ السياسي المستقطَب يجعل أي اتفاق مع طهران مادة جدلية في الحملات الانتخابية. وهكذا، لا يجلس المفاوضان وحدهما إلى الطاولة، بل معهما جمهور داخلي صاخب يراقب ويحاسب.
لهذا السبب، تبدو هذه المفاوضات أحيانًا كأنها تسير إلى الأمام خطوة وتتراجع خطوتين. ليس لأن الحلول مستحيلة، بل لأن الثمن السياسي لكل حل أعلى من قدرتهما اللحظية على الدفع. الاتفاق الممكن تقنيًا قد يكون مستحيلاً سياسيًا، والمرونة الضرورية دبلوماسيًا قد تكون قاتلة داخليًا.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأوضح أن البديل عن التفاوض ليس الاستقرار، بل مزيد من التصعيد وعدم اليقين. المنطقة تقف على حافة توترات قابلة للانفجار، والملف النووي ليس سوى أحد خيوط شبكة أوسع من الصراعات. من هنا، تكتسب المفاوضات أهميتها الحقيقية: ليست طريقًا مضمونًا إلى اتفاق، بل صمام أمان يمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
في النهاية، ما يجري بين طهران وواشنطن ليس فقط حوار بين دولتين، بل اختبار لقدرة السياسة على إدارة الخلاف بدل تفجيره. فهل تنجح البراغماتية في كسر جدار عدم الثقة، أم سيبقى كل طرف أسير روايته الخاصة عن العالم؟ هذا السؤال، أكثر من أي بند تقني، هو ما سيحدد مصير المفاوضات… وربما شكل المنطقة لسنوات قادمة.
اقرأ أيضًا: جيفري إبستين ومنظومة الستين لعبة الوقت في كشف أخطر الملفات
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

