في الدراما الحقيقية، لا تكون المواجهة دائمًا بين شخصين، بل بين الإنسان وماضيه. وهذا ما ينجح مسلسل بالحرام في تجسيده بذكاء في أحد أبرز مشاهد الحلقة الرابعة، حيث يتصاعد التوتر النفسي حول شخصية جود، التي تنتقل فجأة من موقع الشاهدة إلى موقع المتهمة، ومن الباحثة عن الحقيقة إلى الهاربة منها في الوقت نفسه.
اللحظة التي تُقيَّد فيها جود لا تبدو إجراء أمني عابر، بل تحمل دلالة رمزية عميقة؛ فالقيود هنا ليست حديدًا فقط، بل عودة قسرية إلى ماضٍ لم يلتئم بعد. المشهد يوحي بأن الحاضر لا يفعل سوى إعادة فتح جروح قديمة، وكأن القدر يصرّ على اختبارها مرة أخرى بالطريقة ذاتها.
يعتمد الإخراج بذكاء على الانتقال بين الواقع والذاكرة، فيتداخل الزمنان ليشكّلا صورة نفسية معقّدة للشخصية. استرجاع جود للحظات تقييدها وحقنها بالمخدرات يكشف أن الصدمة لم تنتهِ، بل ما زالت تتحكّم بخياراتها وردود أفعالها. هي لا تسعى فقط لكشف حقيقة حادثة غامضة، بل تحاول في العمق تحرير نفسها من ثقل الماضي، وكأن الحقيقة بالنسبة إليها شكل من أشكال النجاة الشخصية.
في المقابل، يفتح الحوار بين المحامي مالك ووالد روي نافذة على طبقة أخرى من السرد؛ عالم المصالح والضغوط الاجتماعية والتفاهمات الخفية. الكلمات تبدو هادئة، لكنها مشحونة بمعانٍ غير منطوقة، توحي بأن الجميع يحاول ضبط مسار القصة قبل أن تنكشف خيوطها الحقيقية. هنا تلمّح الدراما إلى أن الحقيقة ليست دائمًا ما يُقال، بل ما يُخفى بين السطور.
وعندما تواجه الشرطة جود، يصل المشهد إلى ذروة الصدام بين العاطفة والقانون. جود تتحرّك بدافع إنساني خالص، مدفوعة برغبتها في فهم سبب انتحار الشاب، بينما يمثّل الضابط سلطة النظام التي ترفض أي تصرّف فردي خارج الإطار الرسمي. يطرح المشهد سؤالًا أخلاقيًا معقّدًا: هل يحق للفرد أن يطارد الحقيقة بنفسه، أم أن الحقيقة يجب أن تمر دائمًا عبر القنوات القانونية؟
النهاية لا تمنح المشاهد إجابة واضحة، بل تتركه أمام شعور ثقيل بالضياع. جود تقف بين رغبتها العارمة في المعرفة وبين القيود التي تحاصرها، ما يجعل الطريق نحو الحقيقة مليئًا بسوء الفهم والخوف وذكريات الألم. وهذا ما يمنح المشهد قوته الحقيقية؛ إذ يتحوّل من تحقيق في حادثة إلى تحقيق داخلي مع الشخصيات نفسها.
في المحصلة، لا يتحدث هذا المقطع عن جريمة أو حادثة بقدر ما يتحدث عن الإنسان حين يُجبر على مواجهة ذاته. كل شخصية تحاول تبرير أفعالها، الهروب من ماضيها، أو إيجاد طريقة للتعايش مع حقيقة قد لا تكون مريحة. وهنا نصل إلى براعة المسلسل في تحويل اللحظة الدرامية إلى مرآة نفسية تعكس هشاشة البشر وصراعهم الدائم مع الحقيقة.
اقرأ أيضًا: صدام الحقيقة والمشاعر: قراءة درامية في مشهد جود ومالك من الحلقة الرابعة من مسلس
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

