ليست كل المقابلات التلفزيونية قادرة على ترك هذا الأثر الهادئ والعميق في المتلقي. بعض الحوارات تُشاهَد ثم تُنسى، وبعضها الآخر يبقى لأنه وصل إلى عمق الإنسان قبل الفكرة. هكذا بدت مقابلة نيشان مع أمل حجازي لقاءً صادقاً لا يقوم على الإثارة، بل على الإصغاء، ولا يسعى إلى المحاكمة، بل إلى الفهم.
ما ميّز الحلقة منذ لحظاتها الأولى هو نبرة الاحترام المتبادل. نيشان، بخبرته الطويلة، اختار أن يكون محاوراً لا قاضياً، وأن يفتح مساحة تفكير لا ساحة مواجهة. أسئلته جاءت ذكية، عميقة، وخالية من الاستفزاز، كأنها دعوة هادئة للبوح لا فخاً للإحراج. في المقابل، حضرت أمل حجازي بهدوء لافت، من دون دفاع، ومن دون رغبة في تبرير الماضي أو تلميع الحاضر، بل برغبة واضحة في قول الحقيقة كما عاشتها.
القوة الحقيقية في هذه الحلقة لم تكن في حساسية الموضوع، بل في طريقة مقاربته. فبدلاً من اختزال التجربة في عنوان واحد، اختارت أمل أن تتحدث عن الإيمان كعلاقة داخلية، لا كقالب جاهز. فرّقت بوضوح بين المشاعر الروحية والممارسات الخارجية، وقدّمت فكرة شديدة البساطة وعميقة هي: القرب من الله لا يُقاس بشكل واحد، ولا يُختصر بمظهر واحد.
اللافت أيضاً هو اللغة التي استُخدمت في الحديث عن التحوّل الشخصي. لم تنفِ أمل مرحلة من حياتها، ولم تُسقِطها، بل راجعتها. تحدثت عن نضوج، عن وعي يتكوّن مع الوقت، وعن صدق مع الذات قد يكون أصعب من أي قرار خارجي. هذا الطرح الإنساني منح التجربة شرعيتها، من دون أن يتحوّل إلى دعوة أو ترويج أو وصاية على الآخرين.
أما قيمة هذه الحلقة، فهي ببساطة في بعدها الإنساني العام، لا الشخصي فقط. فهي تصل إلى شريحة واسعة من الناس الذين يمرّون بتجارب روحية أو دينية في لحظات ضعف، مرض، أو خوف، فيربطون القرب من الله بالتشدد أو العزلة. هنا تأتي قيمة هذا الحوار، إذ يذكّر بأن الإيمان يمكن أن يكون وعياً ورحمة وتصالحاً مع النفس، لا عبئاً إضافياً عليها.
في هذه الحلقة، بدا نيشان في أفضل حالاته المهنية: محاور ناضج يعرف متى يسأل ومتى يصمت، وكيف يمنح ضيفه الأمان ليقول ما لا يُقال عادة على الشاشات. وبدا في الوقت نفسه أن أمل حجازي اختارت الظهور لا لتصنع ترند، بل لتشارك تجربة، مدركة أن الصدق قد يعرّضها للانتقاد، لكنه في النهاية يصل.
ليست هذه المقابلة عن الحجاب، ولا عن الفن، ولا حتى عن الجدل الدائر حول الخيارات الشخصية. هي عن الإنسان حين يجرؤ على مراجعة ذاته، وعن الإعلام حين يؤدي دوره كمساحة حوار لا كساحة تصنيف. وربما في هذه المساحة الهادئة نجد روعة الحلقة على حقيقتها. ما أروعك يا نيشان.
سؤال يتركه اللقاء مفتوحاً: هل نمتلك الشجاعة لنراجع تجاربنا بصدق، أم نفضّل الثبات على قناعات لم نعد نؤمن بها خوفاً من أحكام الآخرين؟
اقرأ أيضًا: حين يصبح البوح شجاعة: نيشان، نادين خوري، وكسر وصمة الصحة النفسية

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

