وصلنا الى وقت أصبح فيه الذكاء الاصطناعي مرادفًا للهيمنة الرقمية، وجمع البيانات، وتعظيم أرباح الشركات العملاقة، يظهر مشروع عربي مختلف في جوهره قبل تقنيته. منصة «ثورة» أو Thora.ai لا تقدّم نفسها كمجرد منافس عربي لـChatGPT، بل كمحاولة جادة لإعادة تعريف علاقة الإنسان بالذكاء الاصطناعي، وإعادة طرح السؤال الأخطر في هذا العصر: لمن يعمل الذكاء؟
تقف خلف المشروع قصة شقيقين سوريين، هاني وسعيد، عملا لسنوات في قطاع التكنولوجيا الأوروبي، وتحديدًا في مشاريع تتعامل مع بيانات صحية شديدة الحساسية. هناك، لم تكن التحديات تقنية بحتة، بل أخلاقية وفلسفية بالدرجة الأولى. فالتعامل اليومي مع هذا النوع من البيانات كشف لهما أن التكنولوجيا لم تعد مجرد أدوات أو خوارزميات، بل تحوّلت إلى سلطة قادرة على التوجيه والتأثير وحتى السيطرة.
من هذه القناعة، وُلدت فكرة «ثورة». ليس كمنتج تقني تقليدي، بل كموقف فكري واضح من شكل الذكاء الاصطناعي الذي يُراد له أن يهيمن على حياة البشر في السنوات المقبلة. الذكاء، بحسب مؤسسي المنصة، يجب أن يكون للناس، لا للمساهمين، ولا للشركات العملاقة، ولا للأنظمة التي ترى في البيانات وسيلة نفوذ.
تقوم «ثورة» على مجموعة مبادئ تعاكس ما اعتاده المستخدمون في المنصات الكبرى. المنصة لا تطبع المستخدم، ولا تبيع بياناته، ولا تدرّب نماذجها عليه، ولا تعمل لصالح حكومات أو شركات، ولا تحوّل الإنسان إلى منتج رقمي. حيث وصلنا إلى وقت أصبحت فيه الخصوصية عملة نادرة، تقدم «ثورة» نفسها كمساحة تحاول استعادة الحد الأدنى من السيادة الرقمية للأشخاص.
حتى تجربة الدخول إلى المنصة تؤكد هذا التوجه. لا تسجيل عبر أبل، ولا عبر جوجل، ولا ربط بحسابات كبرى تُحوّل المستخدم تلقائيًا إلى جزء من منظومة تتبع واسعة. الدخول يتم مباشرة، بلا وسطاء، وبلا طبقات خفية من المراقبة الرقمية. المستخدم هنا هو الأصل، لا البيانات المحيطة به.
السؤال الذي يطرح نفسه: هل «ثورة» مجرد منافس جديد في سوق مزدحم بمنصات الذكاء الاصطناعي؟ أم أنها مشروع يحاول كسر النموذج السائد بدل مزاحمته فقط؟ الواقع أن المنصة لا تسوّق نفسها على أساس التفوق التقني وحده، بل على أساس الرؤية. فهي لا تعد بأسرع إجابة أو أذكى نموذج فحسب، بل بذكاء لا يعمل ضد مستخدمه.
انطلاق «ثورة» من ألمانيا، وامتداد خطابها إلى العالم العربي، يحمل دلالة مهمة. فالمشروع لا يحاول استنساخ وادي السيليكون، بل تقديم بديل فكري عنه، بديل يرى أن الذكاء الاصطناعي ليس حكرًا على القوى الكبرى، ولا يجب أن يُدار بعقلية الاحتكار أو الهيمنة.
في لحظة تاريخية يُعاد فيها تشكيل العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، تطرح «ثورة» سؤالًا بسيطًا لكنه عميق: هل نريد ذكاءً يخدم الإنسان، أم إنسانًا يُعاد تشكيله ليخدم الذكاء؟ بين هذين الخيارين، تحاول المنصة أن تحجز موقعها، لا كأداة فقط، بل كفكرة.
اقرأ أيضًا: قاموس أكسفورد يختار كلمة العام 2025 ويكشف
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

