في تاريخ الأغنية العربية، لم يكن “الهوى” كلمة رومانسية فقط، بل كان أحيانًا حبيبًا، وأحيانًا قدرًا، وأحيانًا نسمة تحمل الشوق، وأحيانًا مسافة لا يستطيع العاشق عبورها إلا بالغناء.
من عبد الحليم حافظ في “زي الهوى” و“جانا الهوى”، إلى وردة في “جميل يا هوا”، ورامي عياش في “خد حرير”، وعاصي الحلاني في “الهوا طاير”، وصولًا إلى وائل كفوري في “ردّوا يا هوى”، ظلّ الهواء حاضرًا كأنه اللغة السرية للحب العربي. عبد الحليم تحديدًا جعل “الهوى” جزءًا من هويته العاطفية في أكثر من عمل، ومن أشهر أغنياته “جانا الهوى” و“زي الهوى”، وهما من الأعمال التي كرّست حضور كلمة “الهوى” في الأرشيف الغنائي العربي.
واللافت أن هذه الكلمة لم تأتِ من فراغ. في العربية، “الهوى” يحمل معنيين جميلين: الهواء الذي نتنفسه، والحب الذي يميل بالقلب. لهذا كانت الكلمة مثالية للأغنية. خفيفة في النطق، واسعة في المعنى، وقادرة على أن تجمع بين الطبيعة والعاطفة في جملة واحدة.
في “خد حرير” لرامي عياش، يتحول الهواء إلى نسمة رقيقة تصف الجمال الطبيعي. الحبيبة جميلة ببساطتها ومن دون تصنّع؛ جمالها يأتي من حركة شعرها، من حضورها، من ضحكتها، من التفاصيل الصغيرة التي لا تحتاج إلى زينة كبيرة. هنا الغزل يشبه الطبيعة: بسيط، ناعم، وصادق.

أما في “الهوا طاير” لعاصي الحلاني، فالهواء لا يمرّ بهدوء، بل يتحرك ويرقص ويمتلئ بالدهشة. الحبيبة لا تسير في المكان فقط، بل تغيّر طاقته. كأن الطريق ينتبه لها، وكأن الطبيعة تستيقظ مع مرورها. وهذا ينسجم مع شخصية عاصي الغنائية، خصوصًا في تلك المرحلة من ألبوم “زغيري الدني” عام 2004، ضمن مسيرة امتدت منذ التسعينيات بأغنيات تجمع بين الرومانسية والقوة الشعبية.

ثم يأتي وائل كفوري في “ردّوا يا هوى” ليأخذ الكلمة إلى منطقة أكثر وجعًا. هنا “الهوى” لم يعد فقط غزلًا بالجمال، بل صار نداءً للمسافات. الهواء عند وائل يحمل الحنين، يستعيد الفصول، ويطلب من الغياب أن يخفّ قليلاً. في أغنياته، الحب غالبًا ليس ورديًا بالكامل؛ فيه انكسار، انتظار، وكرامة مجروحة. ووائل، المعروف بصوته الرومانسي وحضوره منذ التسعينيات، جعل هذا النوع من الحنين جزءًا من بصمته الخاصة.

ومن قبلهم، حضرت وردة الجزائرية مع رائعة “لولا الملامة يا هوى”، المعروفة أيضًا بجملة “قول للجميل يا هوى”، من فيلم “حكايتي مع الزمان” عام 1973. في هذه الأغنية، لا يأتي الهوى ككلمة عادية، بل كوسيط بين القلب والحبيب؛ كأن العاشقة لا تخاطب الحبيب مباشرة، بل تستعين بالهوى ليحمل له ما لا تستطيع قوله. أما أم كلثوم في “هو صحيح الهوى غلاب”، فطرحت السؤال الأزلي: هل الحب اختيار، أم قوة أكبر من الإنسان؟

أما فيروز، التي ارتبط صوتها كثيرًا بالحنين والطبيعة والهواء ولبنان، فقد جعلت في أغنيات مثل “يا هوى بيروت” الهواء هنا يحمل حنين المدينة، وليس مشاعر الحب فقط. وفيروز نفسها تُعد من أهم الأصوات العربية التي صنعت علاقة خاصة بين الغناء والمكان والحنين.

ومن هنا يمكن أن نرى كيف تنقّلت كلمة “الهوى” بين أجيال مختلفة من الغناء العربي. عند عبد الحليم حافظ، حضرت في “زي الهوى” كحب جارح يصعب الهروب منه، وفي “جانا الهوى” كضيف مفاجئ يغيّر القلب ويفتح باب العاطفة.

أما في “هو صحيح الهوى غلاب” لأم كلثوم، فقد تحوّل الهوى إلى سؤال كبير عن ضعف الإنسان أمام الحب، بينما منحته وردة في “جميل يا هوا” طابعًا أكثر دفئًا، كأنه اعتراف بالجمال والاستسلام له.

وفي أغنيتي عبد الحليم حافظ “الهوا هوايا” و“جانا الهوى”، بدا الهوى قريبًا من الفرح الشعبي وخفة البهجة، حيث يتحول الحب إلى مساحة للغناء والرقص والإحساس بالحياة.
ومع فيروز في “يا هوى بيروت”، خرج الهوى من حدود العلاقة العاطفية الضيقة، وصار مرتبطًا بالمدينة والقصص الجميلة والحنين إلى المكان.

ثم جاءت أغنيات أحدث لتعيد استخدام الهواء كصورة غزلية جميلة. في “خد حرير” لرامي عياش، يظهر الهواء كنسمة ناعمة حول جمال طبيعي بعيد عن التصنّع. وفي “الهوا طاير” لعاصي الحلاني، يتحول الهواء إلى حركة ودهشة ورقصة حول الحبيبة. أما وائل كفوري في “ردّوا يا هوى”، فيجعل الهوى نداءً محمّلًا بالحنين والمسافات، كأنه يطلب من الهواء أن يعيد ما أخذه الغياب.

قوة هذه الأغنيات أن “الهوى” فيها لم يكن كلمة للتزيين. كان يحمل معنى. كان يفتح نافذة في الأغنية. حين يقول الفنان “هوى”، لا نشعر أنه يتحدث عن حب مباشر فقط، بل عن شيء أكبر: نسمة، قدر، غياب، طريق، حكايات وذكريات، قلب لا يعرف لماذا أحب.
وهنا تظهر المقارنة مع الغزل الحالي. اليوم، تبدّلت المفردات. لم تعد الأغنية الرومانسية تعتمد كثيرًا على الطبيعة: الهواء، القمر، الورد، الطريق، النسمة. صارت تميل أكثر إلى كلمات مباشرة وسريعة مثل: قلبي، حبيبي، اشتقتلك، بغير، مجنون، تعبان، ناسيك، بعدك، مش قادر. هذه الكلمات تصل بسرعة، وتناسب مقاطع السوشيل ميديا، لكنها لا تصنع دائمًا مشهدًا طويل العمر.
الغزل القديم كان يقول الحب من خلال الطبيعة. أما الغزل الحالي، فيقوله غالبًا من خلال الحالة النفسية المباشرة. سابقًا كانت الحبيبة تمرّ فيتحرك الهواء. اليوم يغيب الحبيب فيقال مباشرة: تعبان، مشتاق، مكسور، أو مش قادر أنسى. الفرق ليس فقط في الكلمات، بل في طريقة الخيال.
وهذا لا يعني أن الأغنية الحالية أقل قيمة دائمًا، لكنها أكثر استعجالًا. تريد أن تصل بسرعة، بينما أغنيات “الهوى” القديمة كانت تترك الحب يتنفس. كان اللحن يعطي الكلمة مساحة، وكان الصوت يجعل النسمة تتحول إلى مشهد، والمشهد إلى حكايات تبقى معنا ولا ترحل.

ربما لهذا بقي “الهوى” في الأغنية العربية أكثر من كلمة. لأنه يشبه الحب فعلًا: لا نراه، لكننا نشعر به. يدخل بلا موعد، يغيّر الجوّ، يحرّك القلب، وقد يترك خلفه عطرًا أو وجعًا.
فهل نفتقد اليوم الأغنية التي تجعل الطبيعة تتكلم عن الحب؟
وهل صارت كلمة “اشتقتلك” بديلة عن “يا هوى”، أم أن الحب خسر شيئًا من الإحساس حين ابتعد عن الهواء والنسمة والطريق؟
اقرأ أيضًا: عاصي الحلاني يعيد نشر “الهوى طاير” بعد أكثر من 20 عاماً
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة
