في لبنان، لا شيء يحدث بصوتٍ منخفض. حتى الألم… يسمع بصراخ. لكن الأخطر اليوم، ليس حجم الوجع… بل اتجاهه.
في مشهدٍ مثقل بالخسارات والتحديات، من الطبيعي أن يغضب الناس. لكن غير الطبيعي، أن يتحوّل هذا الغضب إلى هجوم عشوائي، يبحث عن أي هدف—ولو كان الفن.
السوشيال ميديا لم تعد مساحة تعبير فقط،
بل أصبحت—في كثير من الأحيان—منصة لمحاكمات سريعة، أحكام جاهزة، واتهامات لا تنتظر دليلًا.
وفي قلب هذا المشهد، هناك أسماء فنية لامعة،
لتتحوّل من صانعة فرح… إلى متلقية غضب. من بينها نوال الزغبي وإليسا، اسمان ارتبطا بتاريخ طويل من الحضور والتأثير، قبل أن يُطلب منهما فجأة ما يتجاوز الفن نفسه. -الاتهامات بالوطنية: تعرضت نوال الزغبي في أوقات سابقة لحملات شككت في وطنيتها، مما دفعها للرد بقوة وتأكيد حبها للبنان ودفاعها عنه.
بشكل عام، تجد النجمتان أنفسهما دائمًا في قلب العاصفة، حيث يتم تحليل كل تغريدة أو تصريح لهما حول الأوضاع اللبنانية، وهذا يجعلهما عرضة للهجوم من قبل معارضي مواقفهما.
لم يعد المطلوب أغنية أو موقفًا إنسانيًا عابرًا، بل مواقف كاملة مُفصّلة على قياس توقعات الجمهور.
أن تُفسّر، أن تُبرّر، أن تُرضي الجميع…
وهنا تبدأ المشكلة.
الفن، بطبيعته، لا يُدار بهذه الطريقة. هو ليس بيانًا سياسيًا، ولا خطابًا رسميًا.
هو مساحة إنسانية، تحمل التناقض كما تحمل الفرح،
ولا تُختزل في موقف واحد، أو منشور واحد.
لكن، في الأوقات الصعبة والتوتر، تتغيّر المعايير.
نبحث عن إجابات سريعة، عن مواقف واضحة،
وحين لا نجدها… نصنع خصمًا.
وهنا، لا يعود السؤال: ماذا قالت نوال الزغبي أو إليسا؟
بل: لماذا نحتاج أن نحاكمهما أصلًا؟
المفارقة أن لبنان، الذي طالما افتخر بتنوعه،
يبدو اليوم أقل قدرة على تقبّل هذا التنوع.
وكأن الاختلاف لم يعد مساحة غنى… بل سببًا للهجوم.

اللغة تغيّرت.
لم تعد لغة نقد، بل لغة إلغاء.
لم تعد محاولة فهم، بل رغبة في الإدانة.
وهذا التحوّل، أخطر من أي موقف فردي.
لأن الفن، حين يُحاصر،
نخسر معه مساحة كانت تجمعنا—حتى ونحن نختلف.
ما يحدث مع نوال الزغبي وإليسا ليس حالة استثنائية،
بل صورة لمشهد أوسع.
كيف يمكن لمسيرة كاملة أن تُختصر في لحظة،
وكيف يمكن للجمهور نفسه أن يتحوّل من داعم… إلى قاضٍ.
السؤال الحقيقي ليس عنهما،
بل عنّا نحن.
ماذا نريد من الفن؟
وماذا نريد من الفنان؟
هل نريده مرآةً لنا فقط؟
أم مساحة نرى فيها ما لا نقوله؟
في خضم هذا الوضع الصعب، تضيع أسئلة أهم:
كيف نساعد من فقدوا؟
كيف نُعيد بناء ما تهدّم؟
كيف نحمي ما تبقّى من صورة هذا البلد؟
بدل أن يتحوّل الغضب إلى هجوم، يمكن أن يتحوّل إلى فعل.
مبادرات، دعم، تعاون…
أفكار تُعيد توجيه الطاقة بدل استهلاكها.
لأن الحقيقة التي قد لا تُقال كثيرًا:
الفنان ليس خصمًا،
بل يمكن أن يكون شريكًا—إذا عرفنا كيف نطلب، وكيف نتواصل.
وفي النهاية،
الفن لا يسقط…
لكن طريقة تعاملنا معه، هي التي تكشفنا.
فهل ما نراه اليوم…
غضبٌ عابر؟
أم بداية لمرحلة، يصبح فيها الفن أول ضحايا الانقسام؟
اقرأ أيضًا: كارول سماحة بذكرى رحيل زوجها تشارك هذا الشيء؟
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

