هناك لقاءات نشاهدها وننساها بعد أيام، وهناك لقاءات أخرى تصبح مع مرور الوقت أشبه بوثيقة صغيرة تحفظ لنا نسخة قديمة من الأشخاص.
كيف كانوا يتحدثون؟
ما الذي كان يشغلهم؟
كيف كانوا يدافعون عن أنفسهم؟
وما الذي كانوا يعتقدون يومها أنه مهم؟
لهذا كانت العودة إلى لقاءات نادين نسيب نجيم مع محمد قيس مختلفة.
لم نكن نشاهد فقط ممثلة وإعلاميًا يجلسان أمام بعضهما من جديد، بل كنا نشاهد سنوات طويلة تمر أمامنا.
نادين تغيّرت.
محمد قيس تغيّر.
وحتى نحن كمشاهدين، لم نعد نشاهد الحوار بالطريقة نفسها.
في اللقاءات الأولى بينهما، كانت نادين نسيب نجيم تعيش مرحلة مختلفة تمامًا من مسيرتها. الأسئلة كانت تدور حول الأعمال، النجاحات، «الهيبة»، «خمسة ونص»، العلاقات بين الفنانين، والخلافات التي كانت تشغل الجمهور ومواقع التواصل.
وكانت نادين تجيب بشخصية واضحة وقوية، لكنها كانت لا تزال في مرحلة تثبيت وترسيخ الكثير من الأشياء حولها: خياراتها، موقعها الفني، صورتها أمام الجمهور، وطريقة تعاملها مع كل ما يقال عنها.
وهذا أمر طبيعي.

في بدايات أي رحلة، الفنان لا يكون قد عاش كل التجارب التي ستعلّمه لاحقًا متى يرد، ومتى يصمت، وما الذي يستحق أن يدافع عنه، وما الذي يمكنه ببساطة أن يتركه خلفه.
والإعلامي أيضًا يكون في الرحلة نفسها.
محمد قيس في تلك المرحلة كان حاضرًا، سريع البديهة، يعرف كيف يدير برنامجًا ويسأل ويلاحق الإجابة، لكن الإعلامي، تمامًا كالفنان، لا يتوقف عن التعلم.
كل ضيف يضيف إليه شيئًا.
كل مقابلة تعلمه متى يضغط أكثر، ومتى يتراجع خطوة.
وكل سنة أمام الكاميرا تعلّمه أن السؤال القوي ليس بالضرورة أطول سؤال، وأن بعض أهم الأسئلة لا تكون مكتوبة أصلًا.

مرت السنوات.
وتغيّرت حياة نادين قبل أن تتغير أسئلتها.
مرّت بتجارب شخصية ومهنية كثيرة، وأصبح الحديث معها مختلفًا.
لم يعد السؤال فقط عن مسلسل نجح أو عن خلاف تصدّر مواقع التواصل.
دخلت الحياة نفسها إلى الحوار.
الأمومة، الأولاد، الطلاق، الخوف، الخيارات، التجارب، وما يفعله الزمن بنظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الآخرين.
وهنا نبدأ بملاحظة الفرق الحقيقي.
نادين القديمة كانت قوية، وهذا ليس جديدًا عليها.
لكن نادين اليوم تبدو أكثر معرفة بكيفية استخدام هذه القوة.
في البدايات، يشعر الإنسان أحيانًا أنه مطالب بشرح نفسه كثيرًا.
لماذا فعل؟
لماذا اختار؟
لماذا رد؟
ولماذا لم يرد؟
ومع الوقت، يبدأ شيء آخر بالحدوث.
يعرف الإنسان نفسه أكثر.
تصبح بعض الأسئلة أقل أهمية بالنسبة إليه.
وتصبح بعض المعارك لا تستحق أصلًا أن يدخلها.
وهذا هو الفارق الذي نراه اليوم في نادين.
ليس تبدلًا في الشخصية بقدر ما هو تراكم تجربة.
كأن السنوات لم تغيّر جوهرها، بل رتبت الأشياء داخلها.
حتى علاقتها بما يقال عنها تبدو مختلفة.
في لقاءاتها السابقة، كانت خلافات الجمهور والمقارنات بين الفنانين حاضرة بقوة في الحوار، وكانت نادين تتحدث عنها وتوضح موقفها.
أما اليوم، فنشاهد امرأة يبدو أنها أكثر إدراكًا للفارق بين ما يُثار حولها
من كلام الناس ومواقع التواصل وبين حياتها الحقيقية.

وهذا بالتحديد ما تصنعه السنوات.
تعلّم الإنسان مع الوقت أن الصمت أمام بعض الأمور أبلغ من الرد عليها.
وليس كل رأي يحتاج إلى تفسير.
وليس كل من يتحدث عنك يعرفك.
لكن المثير للاهتمام أن محمد قيس كان يتغير في الجهة المقابلة أيضًا.
من يشاهد لقاءاته القديمة ثم ينتقل إلى «عندي سؤال» وبعدها إلى «قصتي»، يستطيع أن يرى التحول في طريقة إدارة الحوار.
محمد قيس اليوم لا يسعى إلى جعل السؤال هو بطل الحوار، بل يترك الإجابة تقوده إلى السؤال التالي.
فهو أكثر اعتمادًا على الاستماع.
وهذه ربما واحدة من أصعب المراحل التي يصل إليها المحاور.
في البداية، يريد الإعلامي أن يثبت أنه حضّر جيدًا.
أن يملك السؤال.
أن يظهر للمشاهد أنه يعرف التفاصيل.
لكن مع الخبرة يبدأ بفهم شيء آخر:
أن الضيف أحيانًا يعطيه السؤال الأهم من دون أن يقصد.
وهذا ما رأيناه بوضوح في لقاء نادين الأخير في «قصتي» على منصة «شاشا».
عندما تحدثت نادين عن أولادها، وعن موقفها عندما تشعر أن أحدًا يحاول تشويه صورة أمهم أمامهم، قالت بعفوية:
«باكلهم بأسناني».
هنا كان يمكن لمحمد قيس أن يترك الجملة ويمر إلى السؤال التالي.
لكنه التقطها فورًا وسألها:
«أكلتيهم بأسنانك؟»
فجاء ردها:
«عالريق».
لحظة صغيرة جدًا.
لكنها تقول الكثير.
هذا السؤال لم يكن موجودًا على الورق.
الضيف هو الذي صنعه.
والمحاور الجيد هو الذي سمعه.
وهنا تحديدًا نرى تطور الإعلامي.
لم يعد النجاح في أن يمتلك عشرين سؤالًا قويًا.
أحيانًا النجاح أن يسمع كلمة واحدة جيدًا.
وربما لهذا السبب أيضًا ارتبط محمد قيس في السنوات الأخيرة بصورة مختلفة لدى المشاهد.
بعد سنوات طويلة من العمل التلفزيوني، ثم انتقاله إلى «المشهد» وتقديمه «عندي سؤال»، أصبح حضوره مرتبطًا أكثر بالحوار الطويل والضيف الذي يأخذ مساحته للكلام.
وعندما انتقل لاحقًا إلى «شاشا» ليقدم «قصتي»، بقي شيء من تلك المرحلة معه.
وهنا حصل معنا في «كوليس» موقف بسيط جعلنا نفكر أكثر بهذه الفكرة.
عندما تحدثنا عن الحلقة الجديدة، كتبنا «المشهد» بدل «شاشا».

خطأ صححناه.
لكن لماذا جاء اسم «المشهد» إلى ذهننا بهذه السرعة؟
لأن بعض الإعلاميين يمرون بالمؤسسة، وبعضهم يتركون فيها صورة ترتبط بهم لفترة طويلة.
محمد قيس ليس «المشهد»، والمشهد بالتأكيد أكبر من أي إعلامي، لكنه كان أحد الوجوه التي ارتبط بها الجمهور خلال مرحلة مهمة، وخصوصًا عبر «عندي سؤال».
ولهذا بقي الاسم حاضرًا.
ثم انتقل إلى «شاشا».
والأجمل أنه لم يأخذ معه استوديو ولا اسم برنامج.
أخذ معه خبرته.
وهذه هي المسألة كلها.
الفنان لا ينتقل من مرحلة إلى أخرى لأنه أصبح مشهورًا أكثر فقط.
والإعلامي لا يتطور لأنه انتقل من محطة إلى أخرى.
التغيير الحقيقي يحصل عندما تصبح التجارب جزءًا من طريقة التفكير.
نادين نسيب نجيم اليوم تتحدث من مكان مختلف لأنها عاشت أكثر.
ومحمد قيس يحاور بطريقة مختلفة لأنه استمع أكثر.
والمشاهد نفسه أصبح أكثر وعيًا بما يريد أن يشاهده.
وهنا نصل إلى النقطة الأهم.
البرامج الحوارية ليست مساحة لانتزاع اعتراف من الضيف، ولا ساحة لإحراجه، ولا سباقًا لصناعة عنوان مثير في اليوم التالي.
هي، في أفضل حالاتها، مساحة تحفظ لنا تطور الإنسان.
عندما نعود اليوم إلى لقاء قديم لنادين نسيب نجيم مع محمد قيس، نحن لا نرى فقط تسريحة مختلفة أو عملًا فنيًا قديمًا أو سؤالًا كان يشغل الجمهور وقتها.
نرى نسخة سابقة من إنسان.
نرى كيف كان يفكر.
ثم نراه بعد سنوات وقد أعاد ترتيب أفكاره.
ولهذا تصبح مسؤولية الحوار أكبر.
لأن الفنان يتغير.
الإعلامي يتغير.
والمشاهد يتغير معهم.
وكل مرحلة تترك وراءها تسجيلًا يمكن العودة إليه يومًا ما لنرى كم قطع هؤلاء الأشخاص من الطريق.
ربما أجمل ما في لقاء نادين نسيب نجيم ومحمد قيس الأخير أنه لم يعطنا قصة جديدة فقط.
بل جعلنا نعود إلى القصص القديمة ونفهمها بطريقة مختلفة.
وعندما يستطيع الحوار أن يجعلنا نرى تطور الإنسان، لا تصريحاته فقط، هنا فعلًا يصبح للحوار معنى.
والسؤال لكم:
عندما تعودون إلى لقاءات فنان تحبونه بعد عشر سنوات، ماذا يلفتكم أكثر: تغيّر شكله، تغيّر كلامه، أم تغيّر نظرته للحياة؟
اقرأ أيضًا: لماذا قالت إليسا: «Over my dead body»؟ التفاصيل تكشف الكثير عن قوتها
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة
