في السياسة، لا تأتي قرارات التهدئة دائمًا كإشارة إلى نهاية الصراع، بل قد تكون في أحيان كثيرة جزءًا من تكتيكٍ أوسع لإدارته. هذا ما تؤكده الرسالة المنسوبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي تطرح معادلة دقيقة: وقف مؤقت للهجوم… دون رفع الضغط.

يكشف التصريح عن مشهد مركّب، لا يقوم على منطق الحرب المباشرة ولا على منطق السلام الكامل، بل على منطقة رمادية تُدار فيها المواجهات بحسابات سياسية وعسكرية متوازية. فمن جهة، هناك اعتراف ضمني بأن الداخل الإيراني يعيش حالة “تصدّع” أو انقسام، وهو ما يُستخدم كعنصر ضغط. ومن جهة أخرى، هناك استجابة لوساطة خارجية، تحديدًا من رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير، وهذا يعني دخول أطراف إقليمية على خط التهدئة.
لكن الأهم في هذا الطرح ليس “وقف الهجوم” بحد ذاته، بل الشروط المرافقة له.
فالقرار لا يتحدث عن إنهاء العمليات، بل عن تعليقها حتى تقدّم إيران “مقترحًا موحدًا”. وهنا تتحول التهدئة إلى أداة تفاوض، لا إلى هدف نهائي. بمعنى آخر، الكرة تُنقل إلى الداخل الإيراني: إما توحيد الموقف السياسي… أو مواجهة سيناريو مختلف.
وفي المقابل، لا يبدو أن الضغط سيتراجع. بل على العكس، يؤكد التصريح استمرار “الحصار”، مع إبقاء الجاهزية العسكرية في أعلى مستوياتها. هذه الازدواجية—تهدئة من جهة، واستمرار الضغط من جهة أخرى—تترجم أسلوبًا سياسيًا يقوم على إبقاء الخصم تحت ضغط دائم، حتى وهو يُمنح فرصة للمناورة.

المشهد هنا لا يُقرأ كتناقض، بل كإدارة دقيقة للإيقاع:
لا تصعيد كامل قد يؤدي إلى انفجار شامل، ولا تهدئة كاملة قد تمنح الطرف الآخر مساحة لإعادة ترتيب أوراقه. وبين هذين الحدّين، تُبنى الاستراتيجية.
اللافت أيضًا أن هذا الطرح يعيد تعريف مفهوم “وقف إطلاق النار”. فبدل أن يكون نتيجة اتفاق، يصبح مرحلة اختبار: هل تستطيع إيران توحيد قرارها الداخلي؟ وهل يمكن أن تخرج برؤية تفاوضية واحدة؟ أم أن الانقسامات ستبقى هي العامل الحاسم؟
في هذا السياق، لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو: هل ستتوقف المواجهة؟ بل: كيف ستُدار المرحلة القادمة؟
لأن ما يُطرح اليوم لا يشير إلى نهاية صراع… بل إلى إعادة صياغته، بطريقة أكثر تعقيدًا، حيث تتحول السياسة إلى امتدادٍ للحرب، لكن بأدوات مختلفة.
اقرأ أيضًا: ميناء نيوم … حين تُعاد كتابة خريطة العبور من الكواليس
ليما الملا
منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

