كيف يعبّر الفنان عن ثقته بنفسه من دون أن تُحسب اعترافًا بتفوّقه على زملائه؟ وهل يستطيع أن يمدح موهبة يحبّها من دون أن يتحوّل إعجابه إلى سؤال: أيّكما أفضل؟
في المقطع المتداول من لقاء كاريس بشار مع الإعلامية نادية الزعبي في برنامج «تحت الضغط» على MBC1، يفتح الحديث عن أمل عرفة بابًا أوسع من المقارنة بين ممثلتين. يضعنا أمام طريقة إدارة الحوار الفني، والمسافة بين سؤال يستكشف رأي الضيف وسؤال يطالبه بالاختيار داخل حدود رسمها المحاور.
كاريس، في هذا الجزء من الحديث، قدّمت ما يستحق التوقّف عنده: اعتزازًا بنفسها، وتقديرًا واضحًا لزميلتها، وتمسّكًا بحقّها في ألّا تتبنّى حكمًا صاغه شخص آخر.
إشادة تعرف ماذا تقول
عندما تحدّثت كاريس عن أمل عرفة، ذهبت إلى موهبتها مباشرةً. قالت إنّ إعجابها بها يعود إلى ما قبل دخولها التمثيل، وتوقّفت عند طريقة ترجمتها للحالات، ووصفت أداءها بأنه يسحرها.
وهنا جمال الإجابة. فهي تحدّد سبب الإعجاب، وتتحدّث بلغة ممثلة تعرف أنّ قيمة الأداء تُقرأ في تفاصيل التعبير عن الشخصية ومشاعرها. هذا تقدير فني له معناه، يتجاوز عبارات المجاملة المعتادة بين الزملاء.
وفي كلامها مساحة جميلة للاعتراف بموهبة أخرى من موقع الثقة. فالفنان الذي يقدّر نفسه يستطيع أن يرى جمال أداء زميله ويتحدّث عنه بحرية. الإعجاب لا يفرض ترتيبًا، والثقة لا تستدعي إلغاء الآخرين.
من الإعجاب إلى امتحان التفوّق
لكن مسار الحوار انتقل من سؤال عمّن تفخر كاريس باقتران اسمها بها إلى العودة لإجابة سابقة، ذكّرتها بها نادية: عندما سُئلت عمّن تفوّقت عليها، قالت «ما حدا». ومن هذه الإجابة انطلق السؤال: هل تفوّقتِ أنتِ على أمل عرفة؟
من حقّ المحاورة أن تتوقّف عند جواب واضح وتطلب توضيحًا. وقد تفتح المتابعة نقاشًا مهمًا عن نظرة الفنان إلى المنافسة. لكن قول فنانة إنّها لا ترى أحدًا تجاوزها لا يعني بالضرورة أنّها ترى نفسها أفضل من الجميع؛ فقد تكون ببساطة لا تؤمن بترتيب الفنانين، أو ترى أنّ لكلّ تجربة طابعها الخاص.
وكان من الممكن أن يكون السؤال الأوضح: ماذا تقصدين بقولك «ما حدا»؟ هل تتحدّثين عن ثقتك بتجربتك، أم ترين أنّ مقارنة الفنانين بهذه الطريقة غير مناسبة؟
بهذه الصياغة، تصبح الإجابة فرصة لفهم موقف كاريس، ويبقى تفسير كلامها مفتوحًا لها قبل أن يُبنى عليه حكم.
«هذا إنتِ بتقرّري مو أنا»
في ردّ كاريس بهذه العبارة ما يلخّص جمال إدارتها لهذا الجزء من اللقاء. أعادت الحكم إلى صاحبته، ولم تتبنَّ بصورة صريحة عبارة «أنا تفوّقت على أمل عرفة».
ردّها يعني: أنا عبّرت عن إعجابي، أمّا ترتيب الفنانين فهو رأيكِ.
وهذا ما يجعل حضورها لافتًا هنا. لم تتراجع عن تقديرها لأمل، ولم تجد نفسها مطالبة بالتقليل من قيمتها لتثبت ثقتها بنفسها. أبقت الفكرتين معًا: أعتزّ بتجربتي، وأُعجب بموهبة زميلتي.
أليس هذا موقفًا أكثر نضجًا من إعلان فائزة وخاسرة في كلّ حديث عن الفن؟
هل نريد فهم الفنان أم انتزاع مفاضلة منه؟
تقوم البرامج الحوارية على الأسئلة المباشرة، وقد تكشف الأسئلة الصعبة جوانب مهمّة من شخصية الضيف. لكن قوّة السؤال تظهر أيضًا في المعرفة التي يقدّمها.
وفي هذا المقطع، كانت إشادة كاريس بطريقة أداء أمل عرفة مدخلًا غنيًا: أيّ أدوارها أحبّت؟ ما التفاصيل التي استوقفتها؟ وكيف تنظر ممثلة إلى اختيارات ممثلة أخرى؟
مثل هذه الأسئلة تقرّب الجمهور من التمثيل نفسه، وتكشف كيف يقرأ الفنانون أعمال بعضهم. أمّا الإصرار على «من تجاوز من؟»، فيضيّق حديثًا واسعًا ويحوّله إلى منافسة يصعب أصلًا الاتفاق على معاييرها.
المقصود هنا ليس الحكم على نية المحاورة، بل توضيح أن السؤال لم يترك للضيفة مساحة كافية لشرح قصدها. ومن المهم أن نفرّق بين كلامها فعلًا وبين ما فهمناه نحن منه.
كلمة كوليس
نحبّ في كاريس بشار هنا أنّها عبّرت عن إعجابها بأمل عرفة من دون أن تتخلّى عن اعتزازها بنفسها. جمال حضورها في هذه الإجابات نابع من احتفاظها بموقفها، ومن كلامها المحدّد عن موهبة تقدّرها.
ونرى أنّ الحوار الفني يصبح أغنى عندما يتابع المحاور إجابة ضيفه بفضول، ويسأله عن معناها قبل أن يحوّلها إلى حكم. للضيف حقّ أن يُفهَم كلامه كما قصده؛ لذلك من الإنصاف أن ننقل عبارته كما قالها، ونترك له فرصة توضيحها.
وأنتم، هل ترون أنّ أسئلة المفاضلة تكشف شخصية الفنان، أم أنّ الحديث عن تفاصيل موهبته واختياراته يقدّم لنا معرفة أعمق به؟
اقرأ أيضًا: الليلة، رامي عياش في عمّان … جمهورٌ ينتظر صوته، وكوليس تواكب حضوره بكل محبة
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة
