في العالم العربي، كثيرون يحبّون التصفيق… لكن قلّة فقط تتقبّل الملاحظات.
في كثير من الأحيان، لا تكون المشكلة في النقد نفسه… بل في الطريقة التي يتم استقبال النقد بها.
خلال الأيام الماضية، أثار أحد المقالات النقدية حالة من الحساسية والانزعاج، رغم أنه لم يتضمّن أي تجريح، أو إساءة شخصية، أو تقليل من قيمة فنانة لها مكانتها وجمهورها. كان المقال أقرب إلى قراءة توجيهية هادئة، محاولة لطرح وجهة نظر مختلفة حول العمل الفني، لكن المفاجأة كانت في طريقة فهمه، وكأن أي ملاحظة أصبحت تُصنَّف مباشرة تحت خانة “الهجوم” أو “الهدم”.
وهنا تحديدًا تظهر واحدة من أكبر الأزمات في جزء كبير من المشهد الفني العربي: الخلط المستمر بين النقد والإساءة.
النقد الحقيقي لا يعني الكراهية، ولا يعني التقليل من أحد. بالعكس، النقد وُجد أساسًا ليطوّر، يلفت الانتباه، ويمنح الفنان مساحة يرى فيها عمله من زاوية مختلفة. لكن المشكلة أن البعض يتعامل مع أي ملاحظة وكأنها تهديد مباشر لنجاحه أو صورته أو جماهيريته.
وربما السبب الأعمق في ذلك، أن كثيرين يملكون ثقة بأسمائهم… لكن ليس دائمًا بأعمالهم.
لهذا يشعرون بالخوف من أي رأي مختلف، حتى لو كان محترمًا ومتزنًا.
أحد الزملاء روى لي قصة تختصر المعنى كله.
قال إن الفنانة الكبيرة الراحلة صباح، كان هناك ناقد صحفي يكتب عنها باستمرار مقالات نقدية في إحدى الصحف، ورغم ذلك لم تعتبره يومًا عدوًا أو شخصًا يحاول هدمها. وفي إحدى المرات، عندما غاب هذا الناقد عن الكتابة، سألت عنه باستغراب، وحين علمت أنه مريض وفي المستشفى، ذهبت لزيارته بنفسها.
المفاجأة لم تكن فقط في الزيارة، بل في كلامها له.
قالت له إن نقده كانت تستفيد منه دائمًا، وإنها كانت تقرأه لتتعلم وتُحسّن من نفسها.
هذه هي العقلية التي صنعت فنانين كبارًا بقيمة صباح.
الفنان الحقيقي لا يخاف من النقد، لأنه يعرف أن النجاح لا يعني الكمال، وأن التطور يبدأ دائمًا من القدرة على الاستماع.
في المقابل، عندما يصبح أي رأي مختلف “إهانة”، وأي ملاحظة “مؤامرة”، يفقد الفن واحدة من أهم أدوات تطوره.
لأن الأعمال الفنية ليست مقدّسة، والفنان مهما نجح يبقى بحاجة إلى عين أخرى ترى ما قد لا يراه هو.
وربما الرسالة الأهم هنا، ليست لفنانة واحدة أو لموقف واحد، بل لكل الوسط الفني:
ليس كل نقد هجومًا.
أحيانًا يكون النقد شكلًا من أشكال الاهتمام.
وأحيانًا، الشخص الذي ينتقد عملك بصدق واحترام… يكون أكثر حرصًا على تطورك من كثيرين يصفقون لك بلا قناعة.
الفن لا يكبر بالمجاملات فقط…
بل أيضًا بالشجاعة الكافية لتقبّل الرأي الآخر.
اقرأ أيضًا: راشد الماجد يختصر الرجولة بكلمات … ويعيد للوفاء قيمته
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

