في البداية، لم يكن هناك ما يوحي بأن رحلة سياحية انطلقت بهدوء من الأرجنتين في أبريل الماضي ستتحول لاحقًا إلى واحدة من أكثر القصص الصحية إثارة للقلق هذا العام.
ركاب من أكثر من عشرين جنسية، أجواء بحرية هادئة، محطات سياحية مفتوحة على المحيط… ثم فجأة، بدأ كل شيء يتغيّر.
القصة، بحسب المعلومات الأولية، بدأت بعيدًا عن البحر أصلًا. عالم هولندي يبلغ من العمر 70 عامًا وزوجته كانا قد زارا خلال وجودهما في الأرجنتين موقعًا للنفايات لمراقبة طائر نادر. هناك، في مكان بدا عاديًا وعابرًا، يُعتقد أنهما استنشقا جزيئات ملوثة بفضلات قوارض تحمل سلالة “الإنديز” من فيروس هانتا… السلالة الأخطر والأكثر قدرة على الانتقال بين البشر.
لم يكن أحد على متن السفينة يعرف أن الفيروس صعد معهم إلى الرحلة.

بعد أيام، بدأت الأعراض تظهر.
في البداية بدت المسألة وكأنها وعكة صحية محدودة، لكن مع تدهور حالة العالم الهولندي ثم وفاته لاحقًا، بدأت حالة القلق تتوسع داخل السفينة. وبعد أيام قليلة، توفيت زوجته أيضًا، ليتحوّل الحديث من مرض غامض إلى احتمال تفشٍ فيروسي حقيقي داخل سفينة مغلقة وسط المحيط.
من هنا، بدأت “هونديز” تفقد شكلها كسفينة سياحية… وتتحول تدريجيًا إلى منطقة عزل عائمة.
الدول بدأت تتعامل بحذر شديد. بعض الموانئ رفضت استقبال السفينة بالكامل، فيما بقيت لأيام قرب المياه الإقليمية للرأس الأخضر، وسط خوف متزايد من انتقال العدوى. ومع تصاعد التوتر، دخلت منظمة الصحة العالمية على الخط، وبدأ التنسيق لاحتواء الأزمة قبل تحولها إلى كارثة صحية مفتوحة.
ومع مرور الوقت، ارتفعت الحصيلة إلى ست إصابات مؤكدة وثماني حالات مشتبه بها، فيما سُجلت ثلاث وفيات حتى الآن.

لكن المشهد الأكثر غرابة ربما لم يكن داخل السفينة نفسها… بل خارجها.
ففي جنوب المحيط الأطلسي، وتحديدًا في جزيرة “ترستان دا كونا” البريطانية، ظهرت أعراض الفيروس على أحد العائدين من السفينة، ما دفع الجيش البريطاني لتنفيذ عملية إنزال جوي غير مسبوقة، شملت مظليين ومستشارين صحيين وممرضة ومعدات أكسجين، في أول مهمة من هذا النوع مرتبطة بتفشٍ فيروسي.
اليوم، وبعد أسابيع من العزل والخوف والانتظار، وصلت السفينة أخيرًا إلى جزيرة تينيريفا الإسبانية في جزر الكناري.
هناك، بدأت عمليات إجلاء الركاب على دفعات، وسط إجراءات صحية صارمة وحجر يمتد إلى 42 يومًا، وهي المدة المعتمدة لمراقبة احتمالية ظهور أعراض فيروس هانتا.
الركاب الإسبان كانوا أول المغادرين، حيث نُقلوا جواً إلى مدريد، بينما يجري التنسيق مع بقية الدول لإعادة مواطنيها تباعًا.
لكن رغم وصول السفينة إلى اليابسة… تبدو القصة أبعد من مجرد رحلة انتهت.
لأن “هونديز” لم تكشف فقط هشاشة السفن أمام الأوبئة، بل أعادت أيضًا تذكير العالم بحقيقة قديمة تتكرر كل مرة بصيغة مختلفة: أحيانًا، تبدأ أخطر الأزمات من تفصيل صغير جدًا… من مكان لا يتوقعه أحد.
اقرأ أيضًا: البنتاغون يفرج عن هذه الوثائق السرية بقرار من ترامب؟
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

