لم تعد صناعة المحتوى مساحة جانبية مرتبطة بالترفيه أو الحضور السريع على منصات التواصل، بل تحوّلت إلى قطاع يملك قدرة مباشرة على تشكيل الرأي العام، وتوجيه السلوك، ونقل صورة المجتمعات إلى العالم. ومن هنا، تأتي أهمية ملتقى المؤثرين وصنّاع المحتوى في الكويت، الذي جمع على مدار يومي 10 و11 يونيو 2026 مجموعة من العاملين في الإعلام الرقمي والمؤثرين والخبراء، في قاعة الدانة في فندق سانت ريجيس الكويت.
الملتقى، الذي أُقيم برعاية عدد من الجهات، بينها زين والخطوط الجوية الكويتية، حمل في مضمونه فكرة تتجاوز اللقاءات التقليدية وتبادل المجاملات، ليفتح تفاعلًا ضروريًا حول معنى التأثير في وقت أصبحت فيه الكلمة قادرة على الوصول إلى الملايين خلال دقائق.
كيف أعاد صناع المحتوى تعريف مفهوم المؤسسة الإعلامية؟
صانع المحتوى اليوم يمتلك أدوات كانت تحتاج في السابق إلى مؤسسات كاملة: كاميرا، ومنصة نشر، وجمهور، وقدرة على صناعة الحدث والتعليق عليه وتوجيه الحوار والتفاعل حوله.
هذه القوة تمنحه مساحة واسعة من الحرية، لكنها تضعه في الوقت نفسه أمام مسؤولية حقيقية. فالمحتوى الذي يُنشر بهدف التفاعل قد يصنع وعيًا، وقد يكرّس معلومة خاطئة، وقد يدعم قضية مجتمعية، أو يحوّل حياة شخص إلى مادة مفتوحة للتجريح.
لهذا تبدو الملتقيات المتخصصة ضرورة مهنية، لأنها تنقل الحديث من سؤال: «كم عدد المتابعين؟» إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا يقدّم صانع المحتوى لهؤلاء المتابعين؟
التأثير مسؤولية قبل أن يكون شهرة
ناقش الملتقى دور المؤثر في تعزيز المسؤولية المجتمعية، إلى جانب أهمية مواجهة المعلومات المضللة، وهي من أكثر القضايا إلحاحًا في المشهد الرقمي الحالي.
فالمؤثر الذي يملك ثقة الجمهور لا ينشر مادة عادية فحسب، إنما يمنحها جزءًا من مصداقيته. وعندما يشارك خبرًا بلا تحقق، أو يروّج لمعلومة غير دقيقة، تتحول شعبيته إلى وسيلة لنشر الخطأ بصورة أسرع.
وفي المقابل، يستطيع صانع المحتوى الواعي أن يكون عنصرًا فاعلًا في المجتمع، من خلال نشر المعرفة، وتسليط الضوء على القضايا المهمة، ودعم المبادرات الإنسانية، وتقديم صورة متوازنة عن بلده وثقافته.

الكويت ومساحة جديدة لصناعة المحتوى
احتضان الكويت لمثل هذه اللقاءات يؤكد إدراكًا متزايدًا لحجم الاقتصاد الإبداعي، ولدور المحتوى المرئي والمسموع والمكتوب في التواصل الثقافي والمعرفي.
فالكويت تمتلك تاريخًا إعلاميًا وفنيًا مهمًا، ومع التحول الرقمي أصبح التحدي الحقيقي هو نقل هذه الخبرة إلى المنصات الحديثة، وصناعة محتوى محلي قادر على المنافسة عربيًا، مع الحفاظ على الهوية والمهنية والقيمة.
والأهم أن هذه الملتقيات تخلق مساحة تجمع بين الأجيال والخبرات المختلفة؛ بين إعلامي يعرف قواعد المهنة، وصانع محتوى يفهم سرعة المنصات، ومؤثر يعرف لغة جمهوره، ومتخصص قادر على وضع إطار قانوني وأخلاقي لهذا العمل.

هل نحتاج إلى قواعد أوضح؟
مع اتساع صناعة المحتوى، أصبحت الحاجة ملحّة إلى معايير أكثر وضوحًا تحمي الجمهور وصانع المحتوى معًا.
فالمهنية لا تعني تقييد الإبداع، بل تعني معرفة الحدود بين الرأي والتشهير، وبين النقد والإساءة، وبين سرعة النشر ودقة المعلومة. كما تعني توضيح العلاقة بين المؤثر والإعلان، وحماية الخصوصية، واحترام حقوق الأفراد، والتعامل الواعي مع المحتوى الموجّه إلى الأطفال.
وهنا نجد قيمة الملتقى الحقيقيّة؛ فنجاحه ليس بعدد الصور المنشورة، إنما بالأفكار التي تنتقل إلى الممارسة اليومية بعد انتهاء الجلسات.

منصة كوليس ترسخ مفهوم التأثير القائم على المصداقية
في وقتنا الحالي يمكن لأي شخص أن يصبح مشهورًا خلال ساعات، تبقى الاستمرارية مرتبطة بما يقدّمه، لا بعدد المشاهدات التي يحققها.
فالمحتوى القوي لا يحتاج دائمًا إلى ترند، والمؤثر الحقيقي ليس من يدفع الناس إلى متابعته فقط، بل من يجعلهم أكثر وعيًا بعد متابعته.
ملتقى المؤثرين وصنّاع المحتوى في الكويت خطوة مهمة نحو تنظيم الحوار حول هذه الصناعة، وتذكير كل من يملك منصة بأن خلف كل مشاهدة إنسانًا يتأثر، وخلف كل كلمة مسؤولية، وخلف كل انتشار أثرًا قد يبقى طويلًا.
ويبقى السؤال: هل ينجح صانع المحتوى العربي في الانتقال من مرحلة البحث عن التفاعل إلى مرحلة صناعة القيمة؟
اقرأ أيضًا: ملتقى المؤثرين وصناع المحتوى في الكويت .. نظرة نحو مستقبل الإعلام الرقمي
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

