بعض التجارب تتجاوز حدود السيرة الشخصية، لأنها تحمل في تفاصيلها معنى أكبر من الألم، وتكشف كيف يمكن للإنسان أن يحوّل جرحه إلى موقف، وخسارته إلى رسالة. وما قالته الإعلامية مي شدياق يذهب إلى هذه المساحة تحديدًا؛ مساحة الإنسان الذي عبر النار، وخسر من جسده الكثير، لكنه رفض أن يخسر صوته.
في حديثها، لم تتكلم مي شدياق عن جرح شخصي فقط، بل عن رسالة. قالت إنها تعرّضت للحرق، وخضعت لثمانية وأربعين عملية جراحية، ومع ذلك تقف اليوم بكامل حضورها، كأنها تقول إن الإنسان قد يُكسر جسديًا، لكنه يستطيع أن يحافظ على صلابته الداخلية إذا ظل مؤمنًا بقضيته.
الأقوى في كلامها أنها لم تقدّم نفسها كضحية، بل كشاهد حي على معنى الصمود. فهي ترى أن ما حدث معها لم يكن مجرد محاولة اغتيال، بل ثمن موقف، وثمن دفاع عن الوطن، ورفض للاحتلال والوصاية وكل ما يمس كرامة الإنسان وكرامة البلد.
تجربة مي شدياق هنا تتجاوز السياسة والإعلام، لتصبح سؤالًا إنسانيًا كبيرًا: ماذا يفعل الإنسان حين يفقد جزءًا من جسده؟ هل يسمح للألم أن يختصره؟ أم يحوّل الخسارة إلى بداية جديدة؟
مي اختارت الطريق الأصعب. فقدت يدًا ورجلًا، مشت على أطراف اصطناعية، لكنها عادت ووقفت. لم تكتفِ بالنجاة، بل عادت إلى التلفزيون، أكملت عملها المهني، أسست مؤسسة عالمية لدعم الإعلام والإعلاميين، تابعت مسيرتها الأكاديمية، حصلت على الدكتوراه، ودرّست في الجامعة، إلى جانب مبادرات إنسانية حملت بصمتها ورسالتها.

وهنا نصل إلى قوة الحكاية. فالبعض ينجو كي يبتعد عن الوجع، أما مي شدياق فنجت كي تذهب أبعد في رسالتها. كأنها تقول إن الألم، مهما كان قاسيًا، لا يجب أن يتحوّل إلى نهاية، بل يمكن أن يصبح مادة لبناء معنى جديد.
كلامها يحمل رسالة واضحة لكل إنسان يواجه أزمة، خسارة، مرضًا، ظلمًا أو انكسارًا: الحياة قد تضعنا أمام امتحانات قاسية، لكنها لا تملك وحدها حق تحديد نهايتنا. نحن أيضًا نملك القرار، نملك الإرادة، ونملك القدرة على الوقوف من جديد.
مي شدياق لم تتحدث عن القوة كشعار جميل، بل كواقع عاشته يومًا بعد يوم، عملية بعد عملية، وخطوة بعد خطوة. لذلك يبدو كلامها مؤثرًا لأنه نابع من تجربة حقيقية، تجربة دفعت ثمنها من جسدها، لكنها حافظت فيها على صوتها، عقلها، دورها، وحضورها.

تجربة مي شدياق لا تُقرأ من زاوية الخسارة، بل من زاوية ما صنعته بعدها. فالندوب هنا ليست نهاية الحكاية، بل جزء من حضورها؛ حضور امرأة عرفت كيف تحوّل الألم إلى موقف، والجسد المتعب إلى شهادة حيّة على الحرية.
ويبقى السؤال الأهم: هل قوة مي شدياق في أنها نجت من محاولة اغتيال، أم في أنها جعلت من نجاتها رسالة مستمرة عن الحرية، الكرامة، والإصرار على الحياة؟
اقرأ أيضًا: كيف خطفت كارول سماحة الأنظار بإطلالة صيفية هادئة؟
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

