تشهد العلاقة المتوترة بين إيران والولايات المتحدة مرحلة متقدمة من التعقيد، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع المعادلات السياسية والاقتصادية في كلا البلدين. وفي ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد الخطاب العسكري، تبدو معادلة الردع أحد أهم المفاهيم التي تحكم سلوك الطرفين، خاصة مع تركيز إيران المتزايد على تطوير قدراتها الصاروخية بعيدة المدى، في مقابل تفوق عسكري أمريكي تقليدي في مجالات الطيران والقوة البحرية.
الرأي العام الأمريكي ودعم النهج العسكري
لا تقتصر معادلة الصراع بين طهران وواشنطن على القدرات العسكرية فقط، بل تتأثر أيضاً بعوامل داخلية، من بينها اتجاهات الرأي العام داخل الولايات المتحدة. وتشير بعض استطلاعات الرأي إلى تراجع شعبية بعض القيادات السياسية إلى نحو 44%، وهو مؤشر يؤكد درجة من التباين داخل المجتمع الأمريكي حول جدوى الانخراط في صراعات خارجية طويلة.
ومع ذلك، لا يعني هذا التراجع رفضاً كاملاً للخيار العسكري، إذ لا تزال هناك شريحة من الرأي العام ترى أن استخدام القوة يمكن أن يشكل وسيلة لتحقيق ما يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بمفهوم “السلام عبر الردع”، أي فرض الاستقرار عبر إظهار القدرة على استخدام القوة عند الضرورة.
ويمثل هذا التوازن في الرأي العام عاملاً مهماً في صنع القرار السياسي الأمريكي، حيث تعتمد استدامة أي مواجهة عسكرية على مدى قدرة القيادة السياسية على الحفاظ على دعم داخلي كافٍ لتكاليفها الاقتصادية والبشرية.
الاستراتيجية الصاروخية الإيرانية
في المقابل، تبدو إيران أكثر اعتماداً على منظومتها الصاروخية لتعويض الفجوة في قدراتها الجوية مقارنة بالقوى الغربية. فالصواريخ الباليستية بعيدة المدى أصبحت تشكل الركيزة الأساسية في العقيدة العسكرية الإيرانية، وتُستخدم كأداة ردع رئيسية في مواجهة الخصوم الإقليميين والدوليين.
وتشير التحليلات العسكرية إلى عدة نماذج بارزة ضمن الترسانة الصاروخية الإيرانية، من بينها:
-صاروخ خيبر
-صاروخ خرمشهر
-صاروخ سجيل
وتتميز هذه الصواريخ بمديات قد تصل إلى نحو 2000 كيلومتر، ما يمنح إيران قدرة على استهداف مواقع بعيدة نسبياً داخل المنطقة، وهو ما يعزز قدرتها على خلق توازن ردعي مع خصوم يمتلكون تفوقاً تقليدياً في مجالات أخرى.
لماذا التركيز على الصواريخ بعيدة المدى؟
يرى عدد من الخبراء أن تركيز إيران على الصواريخ بعيدة المدى يعود إلى مجموعة من الاعتبارات الاستراتيجية.
أولاً، تعزيز القدرة الردعية، إذ تمنح هذه الصواريخ طهران قدرة على تهديد أهداف استراتيجية خارج نطاقها الجغرافي المباشر، ما يرفع كلفة أي هجوم محتمل ضدها.
ثانياً، إيصال رسالة سياسية وعسكرية مفادها أن إيران تمتلك أدوات ضغط تتجاوز حدودها الإقليمية، وهو ما يشكل جزءاً من خطاب الردع الذي تتبناه طهران في مواجهة الضغوط الدولية.
ثالثاً، تقليل الاعتماد على الصواريخ قصيرة المدى التي قد تكون فعالة في النزاعات التكتيكية المحدودة، لكنها أقل تأثيراً في المعادلات الاستراتيجية الأوسع.
البعد الجغرافي في الحسابات العسكرية
تلعب الجغرافيا دوراً مهماً في الاستراتيجية الصاروخية الإيرانية. فموقع إيران الجغرافي يمنحها عمقاً استراتيجياً يسمح بإطلاق الصواريخ من مناطق مختلفة، ما يتيح لها تنويع مسارات الإطلاق وتقليل احتمالات اعتراضها.
فإطلاق الصواريخ من غرب إيران يمكن أن يقلص المسافات إلى بعض الأهداف الإقليمية، بينما قد تُستخدم مناطق أخرى لإطلاق صواريخ ذات مدى أطول بهدف توسيع نطاق التهديد.
وتترجم هذه الحسابات محاولة لتحقيق توازن دقيق بين المدى والدقة والقدرة على تجاوز أنظمة الدفاع الجوي التي تعتمدها بعض الدول في المنطقة.
صراع ردع أكثر منه حرباً شاملة
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن ما يجري في المنطقة لا يشير بالضرورة إلى اقتراب حرب شاملة، بقدر ما يعني حالة ردع متبادل بين الأطراف المختلفة. فكل طرف يسعى إلى إظهار قدراته العسكرية وتعزيز موقعه التفاوضي دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تكون كلفتها مرتفعة على الجميع.
وفي مثل هذه المعادلات، تتحول الصواريخ والتجارب العسكرية والتصريحات السياسية إلى أدوات ضمن ما يمكن وصفه بـ حرب الرسائل الاستراتيجية، حيث يحاول كل طرف التأثير في حسابات الطرف الآخر دون تجاوز الخطوط التي قد تقود إلى صدام مباشر واسع.
وبذلك تبقى معادلة الردع عاملاً مركزياً في تفسير طبيعة التوتر القائم بين إيران والولايات المتحدة، في مشهد إقليمي يتسم بدرجة عالية من الحساسية والتشابك السياسي والعسكري.
اقرأ أيضًا: الأيديولوجيا والهوية القومية: كيف يفكر النظام الإيراني والمجتمع في لحظة الصراع؟
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة


