مع تصاعد حدة التوتر في الشرق الأوسط واتساع تداعيات المواجهة الإقليمية، تجد القوى الغربية نفسها أمام معادلة سياسية وأمنية معقدة: كيف يمكن دعم الحلفاء في المنطقة دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة؟ هذا السؤال يضع كلًا من المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي في موقف دقيق، تتقاطع فيه الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية والدبلوماسية.
في لندن، يبدو الموقف البريطاني أكثر تعقيدًا مما يظهر في العلن. فالحكومة البريطانية تحاول السير على خيط رفيع بين المشاركة المحدودة في التحركات العسكرية الغربية والحفاظ على مسافة سياسية تتيح لها تجنب الانخراط المباشر في الحرب. وقد وجدنا هذا التوازن الحذر بوضوح منذ الأيام الأولى للأزمة، عندما ظهرت تباينات داخل الحكومة بشأن طبيعة الدور الذي ينبغي أن تلعبه بريطانيا.
ووفق ما نقلته تقارير صحفية بريطانية، فقد كانت هناك رغبة لدى رئيس الوزراء كير ستارمر في دعم تحرك عسكري أوسع إلى جانب الحلفاء، خصوصًا بعد الهجمات التي استهدفت دول مجلس التعاون الخليجي، والتي أثارت موجة استياء في الأوساط السياسية الغربية. غير أن هذا التوجه واجه اعتراضات داخل مجلس الوزراء، حيث حذر عدد من الوزراء من مخاطر التورط في صراع قد يتوسع بسرعة في منطقة شديدة الحساسية.
هذا الجدل الداخلي ألقى بظلاله على القرار البريطاني بشأن استخدام القواعد العسكرية، إذ امتنعت الحكومة في البداية عن السماح باستخدام قواعدها في أي عمليات هجومية، بما في ذلك قاعدة دييغو غارسيا الاستراتيجية، إضافة إلى القواعد الموجودة في الأراضي البريطانية وقاعدة أكروتيري في قبرص. إلا أن الموقف شهد لاحقًا تعديلًا محدودًا، حيث سمحت لندن باستخدام بعض هذه القواعد لأغراض دفاعية فقط، في خطوة تؤكد محاولة الحفاظ على التزاماتها الأمنية تجاه الحلفاء دون الانخراط الكامل في العمليات العسكرية.
لكن هذا التوازن لم يمنع تصاعد الجدل السياسي داخل بريطانيا، حيث تعرض رئيس الوزراء لانتقادات حادة داخل البرلمان، وسط انقسام بين من يرى ضرورة الوقوف بقوة إلى جانب الحلفاء، ومن يحذر من تكرار تجارب التدخل العسكري السابقة في المنطقة.
وفي موازاة التطورات في لندن، تتجه الأنظار إلى بروكسل حيث يعقد اجتماع طارئ يجمع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي مع نظرائهم من دول مجلس التعاون الخليجي. ويهدف الاجتماع إلى تنسيق المواقف السياسية وبحث السبل الممكنة لاحتواء التصعيد المتسارع في المنطقة.
الموقف الأوروبي، وإن بدا حذرًا، إلا أنه يحمل رسائل واضحة. فالاتحاد الأوروبي يؤكد رفضه لأي اعتداءات تستهدف دول المنطقة، ويشدد في الوقت نفسه على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي وتجنب توسيع رقعة الصراع. كما يسعى إلى الحفاظ على قنوات التواصل الدبلوماسي المفتوحة، في محاولة لخلق مساحة للحلول السياسية رغم تضاؤل فرصها.
ومن بين الخيارات التي يجري بحثها أيضًا إمكانية إطلاق تحالف دولي لحماية الملاحة البحرية في المنطقة، وهي فكرة سبق أن طرحها الرئيس الفرنسي في ظل المخاوف المتزايدة من تأثير التصعيد العسكري على طرق التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
في المقابل، يضع الاتحاد الأوروبي إطارًا واضحًا لأي تسوية دبلوماسية محتملة، يقوم على ثلاثة عناصر أساسية: إنهاء البرنامج النووي الإيراني، ووضع حد للبرنامج الصاروخي، وإقامة آلية تحقق دولية موثوقة لضمان الالتزام بهذه الشروط.
غير أن الطريق إلى مثل هذا الحل يبدو محفوفًا بالتحديات. فالتوازنات الإقليمية المعقدة، إلى جانب تباين المواقف الدولية، تجعل من أي مبادرة دبلوماسية مهمة شاقة. وبينما تتواصل الاجتماعات والاتصالات السياسية، يبقى السؤال الأكبر معلقًا: هل تنجح الدبلوماسية في احتواء الأزمة، أم أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من التصعيد؟
في ظل هذه المعطيات، تبدو المرحلة الحالية اختبارًا حقيقيًا لقدرة القوى الدولية على إدارة الأزمات، حيث يتقاطع الأمن الإقليمي مع المصالح الاستراتيجية العالمية، في مشهد سياسي مفتوح على كل الإحتمالات.
اقرأ أيضًا: راجع حاد في الهجمات الإيرانية… واشنطن تتحدث عن تحوّل في ميزان العمليات العسكرية
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

