الضجة التي حصلت بعد الفيديو لم تكن بسبب طفلة تحب الأظافر أو الفساتين أو المكياج، لأن هذا أمر طبيعي جدًا وتعرفه كل الأجيال. معظم البنات الصغيرات يحببن تقليد أمهاتهن والشعور بأنهن “كبيرات” ولو للحظات، وهذه ليست المشكلة أساسًا.
لكن المشكلة الحقيقية أعمق من ذلك بكثير.
فالطفولة اليوم لم تعد تعيش بعيدًا عن الكاميرا كما كان يحدث سابقًا، بل أصبحت تُعرض يوميًا أمام ملايين الناس وكأنها محتوى مفتوح للنقاش والتقييم والاستهلاك. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل ما نراه ما زال مجرد “براءة أطفال”… أم أن السوشيال ميديا بدأت تدفع الأطفال تدريجيًا لتقمّص أدوار أكبر من أعمارهم؟
البعض يقول: “كلنا كنا نفعل هذا ونحن صغار”. وهذا صحيح فعلًا. لكن الفرق أن طفولتنا لم تكن تتحول إلى ترند، ولم تكن تُعرض أمام الناس بهذا الشكل، ولم تكن مرتبطة بالمشاهدات والتعليقات والمقارنات والانتشار المستمر.
اللافت بعد نشر الفيديو أن التعليقات نفسها كشفت حجم الانقسام الموجود اليوم حول مفهوم “الطفولة” في عصر السوشيال ميديا. فهناك من رأى أن ما تفعله الطفلة طبيعي جدًا، لأن أغلب البنات يحببن تقليد الأمهات والمكياج والفساتين منذ الصغر، بينما رأى آخرون أن المشكلة ليست في البراءة نفسها، بل في تحويل هذه اللحظات إلى محتوى مفتوح أمام ملايين الناس.
وفي الحقيقة، ربما الرأيان يحملان جزءًا من الحقيقة.
نعم، حب الأظافر والمكياج وتقليد الأم موجود منذ سنوات طويلة ولم يولد مع السوشيال ميديا، لكن طفولة الأجيال السابقة كانت تعيش في البيت وبين العائلة، بينما يعيش أطفال اليوم جزءًا كبيرًا من طفولتهم أمام الكاميرا والمنصات والترندات والتعليقات.
وهنا تحديدًا يصبح السؤال أعمق من مجرد “فستان” أو “أظافر”:
هل الطفل اليوم يعيش طفولته فعلًا… أم يعيش نسخة رقمية منها أمام الجمهور؟
ومن أكثر النقاط التي أثارت الجدل أيضًا، أن البعض حصر مفهوم “انتهاك الطفولة” فقط بالأمور الأساسية مثل المأكل والملبس والمسكن، وكأن حماية الطفل تتوقف عند هذه الحدود فقط.
لكن الواقع اليوم أصبح مختلفًا وأكثر تعقيدًا، لأن الطفل لم يعد يعيش فقط في محيطه العائلي، بل في عالم رقمي مفتوح يؤثر على شخصيته وطريقة تفكيره ونظرته لنفسه منذ عمر صغير جدًا.
صحيح أن توفير الأمان والحياة الكريمة للطفل أمر أساسي، لكن مفهوم حماية الطفولة اليوم أصبح يشمل أيضًا حماية نفسية الطفل وخصوصيته، وعدم دفعه تدريجيًا لتقمّص صور أو أدوار أكبر من عمره الحقيقي فقط لأن السوشيال ميديا أصبحت تعتبر كل شيء “محتوى”.
واللافت أن البعض تعامل مع مجرد طرح السؤال وكأنه هجوم، بينما الفكرة لم تكن يومًا ضد طفلة بعينها، بل ضد ظاهرة أصبحت تتكرر يوميًا على المنصات. والدليل أن النقاش لم يبقَ محصورًا بمنشور واحد، بل فتح بابًا واسعًا بين مؤيد ومعارض، وهذا بحد ذاته يؤكد أن الموضوع موجود فعلًا ويستحق النقاش.
اليوم الطفل لا يكبر فقط في البيت أو المدرسة، بل يكبر أيضًا في عالم رقمي مفتوح يرى فيه كل شيء، ويقلّد كل شيء، ويتأثر بكل شيء. وهنا تصبح مسؤولية الكبار أكبر من مجرد التصوير والنشر، لأن الطفل لا يدرك دائمًا معنى الانتشار أو نظرة الناس أو أثر هذه الأمور عليه مستقبلًا.
وربما أخطر ما في الأمر، أن بعض الظواهر أصبحت تبدو “طبيعية” فقط لأننا اعتدنا رؤيتها يوميًا. وهذا بحدّ ذاته أمرٌ خطير للغاية.
التوعية ليست هجومًا… بل محاولة لطرح سؤال قبل أن يصبح كل شيء عاديًا أكثر مما يجب.
اقرأ أيضًا: مشاهير الكويت وأطفال السوشيال ميديا … أين تنتهي الشهرة وتبدأ حماية الطفولة؟
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

