ما يحدث حالياً في المنطقة ليس فقط مواجهة عسكرية تقليدية، إنما تحول تدريجيًا إلى معركة من نوع آخر، حيث لا تُقاس الضربات بعدد الصواريخ بقدر ما تُقاس بقدرتها على شلّ الاقتصاد العالمي. استهداف منشآت الطاقة في الخليج لم يكن خطوة عشوائية أو ردًا تكتيكيًا محدودًا، بل إشارة واضحة إلى انتقال الصراع من جبهات عسكرية إلى قلب النظام الاقتصادي الدولي.
حين تُستهدف مواقع بحجم رأس لفان، فإن الرسالة لا تُرسل إلى دولة بعينها، بل إلى العالم بأكمله. هنا، لا يعود الهدف إضعاف خصم مباشر، بل خلق حالة قلق عالمي تمتد من أسواق الطاقة إلى سلاسل الإمداد. فالمسألة لم تعد من يربح المعركة، بل من يستطيع تحمّل كلفتها الأطول. وهذا بالضبط ما يغيّر قواعد اللعبة.
إيران، في هذا السياق، لا تتحرك فقط بمنطق الرد، بل بمنطق إعادة توزيع الكلفة. بدل أن تبقى الحرب محصورة بينها وبين خصومها، تسعى إلى توسيع دائرتها بحيث يصبح الجميع معنيًا بوقفها. إنها استراتيجية تقوم على مبدأ بسيط لكنه شديد التأثير: إذا لم تتوقف الحرب، فلن يبقى أحد بمنأى عن نتائجها.
وهنا يكون دور المضائق، ليس كممرات مائية، بل كعصب حيوي للاقتصاد العالمي. مضيق هرمز تحديدًا يتحول إلى نقطة اختناق استراتيجية، حيث يكفي التلويح بإغلاقه لإرباك الأسواق العالمية. لكن المفارقة أن استخدام هذه الورقة بشكل كامل قد يكون مكلفًا للجميع، بما في ذلك من يلوّح بها. لذلك، تبقى في حالة “جاهزية دون تنفيذ”، كأداة ضغط أكثر منها كخيار فعلي.
في المقابل، لم يعد الخليج عبارة عن ساحة خلفية للأحداث، بل أصبح في صلب المعادلة. استهدافه يعني أن الحياد لم يعد خيارًا واقعيًا، وأن أمنه لم يعد مسألة داخلية، بل قضية إقليمية ودولية مترابطة. هذا التحول يدفع دوله إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن، من ردود فعل منفردة إلى مقاربة جماعية تقوم على تنسيق أوسع وتحالفات أكثر مرونة.
اللافت في هذا المشهد أن الطاقة خرجت من كونها موردًا اقتصاديًا لتتحول إلى أداة صراع. لم تعد تُستخدم فقط لتحقيق النمو، بل أصبحت وسيلة ضغط، ورسالة سياسية، وأحيانًا سلاحًا غير مباشر. وهذا التحول يضع العالم أمام معادلة معقدة: كيف يمكن حماية الاقتصاد العالمي في ظل صراع يستخدم نفس الاقتصاد كساحة معركة؟
أما على المستوى الجيوسياسي، فقد كشفت هذه المرحلة عن حقيقة يصعب تجاهلها: أن الجغرافيا لا تزال تحكم السياسة. فموقع الخليج، بكل ما يحمله من أهمية استراتيجية، يجعله حاضرًا في قلب أي تصعيد، سواء أراد ذلك أم لا. وهذا ما يفسر تسارع التحركات نحو إيجاد بدائل، سواء عبر خطوط أنابيب جديدة أو موانئ خارج مناطق التوتر، في محاولة لتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق.
المشهد اليوم مفتوح على احتمالات متعددة، لكن جميعها يدور حول نفس المحور: التوازن بين التصعيد والاحتواء. فهناك من يدفع نحو رفع السقف، وهناك من يسعى لاحتواء الانفجار قبل أن يتجاوز السيطرة. وبين هذا وذاك، يبقى العامل الحاسم هو القدرة على إدارة الكلفة، لا فقط تحقيق المكاسب.
في النهاية، لم تعد الحرب تُخاض فقط بالسلاح… بل بالاقتصاد، بالطاقة، وبالقدرة على التأثير في مفاصل العالم الحساسة. وما يحدث في الخليج اليوم ليس فقط فصل في صراع إقليمي، بل اختبار حقيقي لنظام عالمي يعتمد بشكل كبير على الاستقرار الذي بات أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
اقرأ أيضًا: بين التلويح والانفجار: كيف تدير إيران أخطر أوراقها دون أن تحرقها؟
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

