استوقفني مقطع جميل نشره الفنان عاصي الحلاني عبر حسابه على منصة «تيك توك»، تحدث فيه بشغف واضح عن قصيدة «القرار» للشاعر الراحل نزار قباني.
ولعلّ إعجاب عاصي الحلاني بهذه القصيدة يبدو مفهوماً؛ فهو في حضوره الفني يشبه أميراً خرج من إحدى الروايات، فارساً يحتفي بالمرأة، وينحاز إلى الحب، ويمنح الكلمة العاطفية مكانتها.

لكن ما لفت عاصي في «القرار» هو أنها قدّمت وجهاً مختلفاً من شعر نزار قباني. فقد اعتاد الجمهور أن يراه شاعراً للمرأة، ومدافعاً عنها، ومنحازاً إلى قضاياها، وصاحب لغة شعرية أحدثت تغييرات واضحة في الشعر العربي الحديث.
أما في «القرار»، فتظهر صورة أخرى للرجل الشرقي بكل تناقضاته؛ غروره، واعتداده بنفسه، وسلطته العاطفية. وهذا الاختلاف تحديداً هو ما منح القصيدة خصوصيتها، وجعل عاصي يتوقف عندها منذ القراءة الأولى.
بعض المقاطع تستحق أن نتوقف عندها، وحديث عاصي الحلاني عن «القرار» كان واحداً منها؛ حكاية جميلة عن قصيدة أحبها، ولحّنها، ومنحها بصوته إحساساً جديداً.

ما يلفت في حديث الحلاني أنه تعامل مع القصيدة بوصفها حالة أدبية وإنسانية استثنائية، وليس عمل غنائي ناجح. فقد استعاد اللحظة التي قرأ فيها النص للمرة الأولى، وكيف استوقفه ذلك التناقض الجميل الذي رسمه نزار قباني في شخصية الرجل الشرقي؛ الرجل الواثق من نفسه، والمتعالي أحياناً، ثم المستسلم أمام الحب في لحظة صادقة.
نزار قباني، الذي عرفه الجمهور شاعراً للمرأة ومدافعاً عن قضاياها، ظهر في «القرار» بصورة مختلفة؛ صورة رجل يعترف بقوته العاطفية، وفي الوقت نفسه يكشف انكساره أمام الحب. وربما كان هذا التناقض تحديداً ما جعل القصيدة تترك أثرها العميق عند عاصي الحلاني، حتى انتقلت من نص قرأه في ديوان شعر إلى مشروع فني متكامل حمل الكثير من الرهان والجرأة.

والأجمل في حديث عاصي أنه لم يكن يستعرض تجربة فنية، بقدر ما كان يستعيد حكاية قريبة وعزيزة على قلبه. تحدث بعفوية المحب، وباحترام الفنان الذي يعرف قيمة الكلمة قبل اللحن، وروى كيف لحّن القصيدة وسجّلها قبل الحصول على موافقة ورثة نزار قباني، انطلاقاً من إيمانه الكامل بالنص وبالعمل الذي صنعه حوله.
وفي هذه الحكاية، تظهر رؤية عاصي الحلاني الفنية بوضوح؛ اختار نصاً عميقاً، ومنحه لحناً يليق به، وقدّمه كما آمن به. بالنسبة إليه، الأغنية تبدأ من كلمة قوية، ثم تكتمل باللحن والصوت والإحساس.
وجمال المقطع كان في الطريقة التي روى بها عاصي الحلاني حكايته مع «القرار»؛ حديث هادئ يحمل شغف البدايات، وكأن القصيدة ما زالت تعيش داخله حتى اليوم، من لحظة اكتشافها إلى تلحينها ووصولها إلى الجمهور.
ومن خلال هذه الحكاية، يثبت عاصي الحلاني أن الأعمال التي تبقى تبدأ من كلمة حقيقية، ومن فنان يعرف كيف يختار ما يؤمن به أولاً، قبل أن يقدّمه إلى الناس.
كان مقطعاً جميلاً بكل تفاصيله؛ حديثاً يفيض احتراماً لنزار قباني، ويكشف في الوقت نفسه الثقافة الفنية الرفيعة التي يمتلكها عاصي الحلاني. فخلف بعض الأغنيات حكايات أكبر من اللحن والصوت؛ حكايات عن الشغف والإيمان والقدرة على اكتشاف الجمال حين يمر أمام الجميع، بينما لا يتوقف عنده سوى الفنان الحقيقي.
وفي الختام، يبقى لنا طلب من فارس الأغنية العربية عاصي الحلاني: اروِ لنا حكاية كل أغنية، فخلف كل لحن قصة تستحق أن نسمعها.
اقرأ أيضًا: وائل كفوري يفاجئ جمهوره مجددًا… هل يبدأ الصيف بأغنيتين بدل واحدة؟
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

