منذر رياحنة… ممثل لا يكتفي بأن يظهر على الشاشة، بل يعرف كيف يترك أثرًا بعدها.
من أول لحظة، تشعر أن حضوره مختلف؛ هادئ، ذكي، وقريب من الشخصية التي يؤديها. لا يتعامل مع الدور كمساحة عادية، بل كحكاية لها وجعها وخوفها وقوتها. لذلك يصل إلى الجمهور بإحساس واضح، ويجعل الشخصية تبدو كأنها خرجت من الحياة لا من الورق.
سرّ منذر يبدأ من المسرح. من تلك الخشبة التي تعلّم الفنان الوقوف أمام الحقيقة مباشرة. تخرّج من جامعة اليرموك عام 2004، متخصصًا في الإخراج المسرحي والتلفزيوني، وحمل معه من المسرح انضباطه، رهبة اللحظة، ودقّة التفاصيل. لذلك حين يظهر أمام الكاميرا، تشعر أن خلف كل نظرة تدريبًا طويلًا، وخلف كل صمت حكاية كاملة.
منذر رياحنة لا يتعامل مع الدور كفرصة ظهور، إنما كمساحة مواجهة. يبحث عن الشخصية التي تحمل سؤالًا، عن الحكاية التي تترك أثرًا، وعن العمل الذي يضيف إلى رصيد الدراما معنى يتجاوز التصفيق السريع.

في “أبطال الرمال”، دخل عالمًا تاريخيًا قاسيًا، حيث القبيلة، الحرية، القوة، والعبودية، فكان حضوره قريبًا من طبيعة العمل: حادًا، خشنًا، ومشدودًا إلى صراع الإنسان مع قدره.

وفي “أعوام الظلام”، اقترب من وجع الإنسان حين تُسلب منه حياته تحت ثقل الظلم. هنا تظهر قدرة منذر على نقل الوجع كما هو من دون مبالغة، من دون تضخيم عاطفي، ويكون وجع هادئ، لكنه يصل عميقًا.

أما “الاجتياح”، فحمل محطة خاصة في الأرشيف الفني العربي. عمل تناول معاناة الفلسطينيين خلال اجتياح الضفة الغربية ومجزرة جنين، وحصد جائزة International Emmy Awards عام 2008، كأول مسلسل عربي يحقق هذا الإنجاز. هنا يصبح العمل أكبر من بطولة، وأوسع من نجاح، لأنه يدخل في سجل الدراما العربية كعلامة حقيقية.

وفي “مملكة النمل”، حضرت فلسطين من باب الرمز والإنسان. فيلم يقول الكثير من اسمه: صبر، عمل، ألم، وصمود. ومع منذر، تتحول الشخصية إلى جزء من حكاية شعب يعرف كيف ينهض من تحت الركام.
ما يميّز منذر رياحنة أن حضوره الفني يفرض نفسه بهدوء. لديه نضج فني واضح، يأتي من ممثل يعرف أدواته، ويحترم جمهوره، ويختار طريقه بوعي. حضوره هادئ، لكنّه يعرف كيف يترك أثرًا عميقًا.
منذر رياحنة حضور ثابت في الدراما الأردنية والعربية، وتجربة فنية تحمل روحه: صادقة، قوية، وقريبة من المعنى. ابن الخشبة الذي أخذ من المسرح هيبته، ومن الكاميرا قربها، ومن القضايا الإنسانية وجعها.
والسؤال الآن:
أي حكاية سيأخذنا إليها منذر رياحنة في عمله المقبل؟ وأي شخصية سيمنحها من صدقه وروحه، لتصل إلينا كأنها توقظ شيئًا فينا وتبقى معنا بعد النهاية؟
نحن بانتظارك يا منذر… لأن الفن حين يحمل رسالة، يحتاج إلى فنان يعرف كيف يمنحها وجهًا، صوتًا، وحياة.
اقرأ أيضًا: محمد إمام في الرياض يستعد لمسرحية برنس العالم
ليما الملا

من أول لحظة، تشعر أن حضوره مختلف؛ هادئ، ذكي
منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

