في الواقع، تبدو الحروب كأنها معادلات واضحة: ضربة مقابل ضربة، وخسارة تقابلها مكاسب. لكن خلف الكواليس، تُكتب القصة بطريقة مختلفة تمامًا؛ حيث لا تُقاس الأحداث بما يحدث فعلًا، بل بكيفية تقديمها.
إسقاط طائرة واحدة، في ميزان الواقع العسكري، لا يغيّر مسار حربٍ بهذا الحجم. ومع ذلك، يمكن لهكذا حدث أن يتحول إلى مادة سياسية وإعلامية تُستخدم لإعادة تشكيل الرواية. هنا، لا يصبح السؤال: ماذا حدث؟ بل: كيف يمكن أن يُفهم ما حدث؟
التصريحات الرسمية تثبت هذا التباين بوضوح. فمن جهة، يُقال إن الطرف الآخر يسعى لوقف الحرب، ومن جهة أخرى يتم التأكيد أن الخسائر لا تؤثر على مسار العمليات. هذا التناقض ليس ارتباكًا بقدر ما هو جزء من إدارة المشهد؛ حيث تُترك مساحة رمادية تسمح لكل طرف بأن يعلن ما يريد، دون أن يلتزم بما يعنيه ذلك فعليًا.
خلف الكواليس أيضًا، لا تُدار الحروب فقط بالسلاح، بل بالحسابات. هناك مصالح اقتصادية، وممرات استراتيجية، وتحالفات تُعاد صياغتها بهدوء. وفي هذا السياق، تتحول بعض الدول إلى ساحات مفتوحة للصراع، كما حدث في نماذج سابقة، حيث تُخاض المواجهات على أرضٍ لا تملك قرارها بالكامل.
المفارقة أن النظام الدولي، الذي يُفترض أن يكون الحكم، يبدو في هذه اللحظات غائبًا أو عاجزًا. اجتماعات متأخرة، بيانات حذرة، وقرارات تُقاس بميزان القوى لا بميزان العدالة. وكأن العالم اعتاد على إدارة الأزمات بدل حلّها.
أما في المنطقة، فالمشهد أكثر تعقيدًا. الحلفاء يعيدون حساباتهم، والخصوم يعيدون تموضعهم، بينما يبقى السؤال الأهم معلقًا: أين يقف العرب من كل ذلك؟ هل يكتفون بدور المتلقي، أم يملكون القدرة على صياغة مشروعهم الخاص؟
في الكواليس، لا أحد ينتظر نهاية الحرب بقدر ما ينتظر شكل ما بعدها. فهناك من يسعى إلى إعلان “نصر” بأي صيغة ممكنة، وهناك من يراهن على الصمود كإنجاز بحد ذاته. وبين هذا وذاك، تُرسم ملامح مرحلة جديدة، قد لا تشبه ما قبلها.
في النهاية، الحقيقة البسيطة التي لا تُقال كثيرًا: الحروب لا تنتهي عندما تتوقف، بل عندما يُتفق على روايتها. وحتى ذلك الحين، ستبقى الكواليس مزدحمة بما لا يُقال.
اقرأ أيضًا: حين تضيق الخيارات… هل الوعي هو السلاح الأقوى؟
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

