في كواليس الجولة الآسيوية التي قادها إيمانويل ماكرون، لم تكن التصريحات العلنية سوى جزء من المشهد. ما دار خلف الأبواب المغلقة، وفي نبرة الخطاب وتوقيته، كشف عن محاولة فرنسية لإعادة التموضع في مشهد يتجه بسرعة نحو استقطاب حاد بين الولايات المتحدة والصين.
في سيؤل، لم يكن حديث ماكرون أمام الطلاب خطاب أكاديمي، بل أقرب إلى مراجعة سياسية مبطّنة. استدعاء تجارب العراق وأفغانستان وليبيا لم يأتِ من باب التذكير فقط، بل للتشكيك في جدوى نهجٍ اعتمد القوة العسكرية كأداة للتغيير، دون أن ينجح في بناء استقرار مستدام.
في الكواليس، تقول مصادر مطلعة إن باريس أرادت توجيه رسالة مزدوجة: إلى واشنطن بأن زمن الاصطفاف التلقائي قد انتهى، وإلى بقية العالم بأن هناك مساحة سياسية يمكن أن تتشكل خارج ثنائية النفوذ الأميركي-الصيني.
التوتر مع دونالد ترامب لم يكن تفصيلاً عابراً. فتصعيد الرئيس الأميركي ضد حلفائه وضع العلاقة عبر الأطلسي أمام اختبار جديد. غير أن الرد الفرنسي جاء هادئاً، لكنه حازم: «لم نُستشر، ولسنا جزءاً من هذه الحرب». جملة تختصر خلافاً أعمق حول كيفية إدارة الأزمات الدولية.
في العمق، هناك قلق أوروبي متزايد من سيناريو الانزلاق. تحذير ماكرون من «صندوق باندورا» يعني مخاوف من تداعيات قد تتجاوز حدود المواجهة المباشرة، لتشمل استقرار المنطقة بأكملها.
بالتوازي، تتحرك باريس بعيداً عن الأضواء على مبادرة لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، في محاولة للجمع بين حماية المصالح وتفادي الانخراط في مواجهة عسكرية. خطوة توحي بأن «الطريق الثالث» ليس فقط شعار، بل محاولة لترجمته إلى سياسات عملية.
لكن هذا الطريق لا يزال محفوفاً بالتحديات. فنجاحه يتطلب تنسيقاً فعلياً بين «القوى المتوسطة»—من أوروبا إلى آسيا وأميركا اللاتينية—وهو أمر لم يتبلور بعد بشكل واضح.
في النهاية، لا يقدّم ماكرون وصفة جاهزة، بقدر ما يطرح سؤالاً مفتوحاً: هل يمكن للعالم أن يخرج من منطق المحاور، أم أن الاستقطاب سيبقى هو القاعدة؟ وبين هذا وذاك، يبقى الرهان على ما إذا كان التوازن يمكن أن يُصنع بالدبلوماسية… لا بالقوة.
اقرأ أيضًا: الخليج لا يرفع صوت الحرب… بل يرفع إيقاع الحياة
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

