ماذا يحدث حين تستخدم إعلامية لبنانية تعمل في المجال منذ أكثر من أربعة عقود كلمة مهينة لوصف فنانات بسبب موقف تضامني؟ وكيف تؤثر هذه اللغة في الجدل العام عندما تصدر عن شخصية يفترض أن تدرك مسؤولية المنبر ووزن الكلمة؟
بحسب الكلام المنقول، استُخدم لفظ «جواري» في الحديث عن تضامن نجوى كرم ونوال الزغبي ونانسي عجرم مع السعودية. وتكتفي كوليس بالتعريف بصاحبة الخطاب من دون ذكر اسمها أو إعادة نشر الفيديو، لأن تداوله مجددًا قد يوسّع وصول الإساءة. ما يستحق عرضه هنا هو مضمون الكلام، وطريقة طرحه، والمسؤولية المترتبة عليه.
مسيرات فنية تستحق الإنصاف
لنجوى كرم مسيرة طويلة وحضور فني راسخ وأعمال ارتبط بها جمهور واسع. ولنوال الزغبي تجربة غنية بالأغنيات والنجاحات والمحطات الفنية المختلفة. ولنانسي عجرم مسيرة بنت خلالها علاقة واسعة مع الجمهور، بأعمالها وحضورها المستمر.
هذه المسيرات تحمل جهدًا واختيارات وتعاونات ونجاحات تراكمت عبر الزمن. اختزال صاحباتها في وصف مهين بسبب موقف واحد ينتقص من تاريخهنّ المهني، ويسلبهنّ في الوقت نفسه حق التعبير عن قناعاتهنّ.
من الممكن التحدث عن مواقف الفنانات وانتقادها، كما يمكن تحليل علاقات الإنتاج والعمل وتأثيرها. لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بدور الفنانة في بناء تجربتها، والتعامل معها بوصفها صاحبة إرادة وصوت، وقادرة على اتخاذ موقف مستقل.
ماذا تحمل كلمة «جواري»؟
يحمل هذا اللفظ معنى الاستعباد والتبعية وسلب الإرادة. وعندما يُستخدم لوصف نساء بسبب تضامن أعلنّ عنه، فإنه يوحي بأن موقفهنّ خضوع لمصلحة، ويحمّلهنّ دوافع لم تُثبت.
هنا تصبح الكلمات إهانة للفنانات بدلًا من مناقشة موقفهنّ. وتزداد خطورة الطرح حين يستند إلى وصف يحطّ من شأن النساء، ويقدّمه للجمهور بوصفه تفسيرًا لسلوكهنّ.
تصحيح المفهوم يبدأ من الفصل بين العلاقة المهنية والحكم على النيات. التعاون مع مؤسسات سعودية، أو المشاركة في حفلات وبرامج، لا يثبت وحده أن التضامن خضوع أو تبعية. مثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة، فيما يبقى التضامن الإنساني والتقدير الشخصي احتمالين يستحقان الاعتبار.
كذلك، فإن الدفاع عن فلسطين يمكن أن يُطرح بالحجّة والمعلومة والموقف الإنساني. ربطه بإهانة فنانات تضامنّ مع السعودية يحوّل هذا الجدل إلى اختبار ولاء، ويضيّق مساحة التعاطف مع الشعوب. للإنسان أن يحمل أكثر من همّ، وأن يتمنّى الأمان لأكثر من بلد. فأين المشكلة؟
الخبرة الإعلامية ومسؤولية التأثير في الجمهور
الخبرة الإعلامية تزيد المسؤولية. من أمضى عقودًا في مخاطبة الجمهور يفترض أن يعرف كيف تتحوّل كلمة إلى عنوان، ثم إلى مقطع متداول، ثم إلى تعليقات تكرّرها وتستخدمها ضد الآخرين.
وقد يرى بعض المتابعين في صدور الإهانة عن شخصية إعلامية مبرّرًا لتبنّيها. بذلك، يصبح الخطر في تطبيع التجريح ومنحه قبولًا في النقاش العام. والإعلام مسؤول عن النموذج الذي يقدّمه، خصوصًا عندما يطالب مستخدمي وسائل التواصل بالاحترام والتحقّق وضبط الخطاب.
إذا كان المنبر الإعلامي يروّج لغة الإهانة، فكيف ينتظر من الجمهور أن يرتقي بالحوار؟
أين المعايير المهنية وقوانين الإعلام؟
يؤكد الميثاق العالمي لأخلاقيات الصحفيين احترام كرامة الأشخاص، وتجنّب نشر المعلومات والآراء بطريقة تعزّز التحيّز أو تسهّل التمييز، ويعدّ الاتهامات غير المستندة إلى أساس من الأخطاء المهنية الجسيمة. وهذه معايير تضع مسؤولية واضحة على الإعلامي وعلى المؤسسة التي تنشر كلامه.
ترى كوليس أن التجاوزات المهنية الجسيمة تستوجب مراجعة ومحاسبة واضحة. تبدأ هذه العملية بتوثيق التسجيل الكامل، وفحص الألفاظ وسياقها، وإتاحة الرد للمعنيات، ثم تصحيح الطرح والاعتذار عن الإساءة متى ثبتت. وعلى المؤسسة الناشرة أن تتحمّل مسؤوليتها وأن تتخذ الإجراء المهني المناسب، بدل ترك الكلام ينتشر من دون معالجة.
أمّا المسؤولية القانونية، فتُقيَّم وفق القانون المطبّق والوقائع المحدّدة. ويستحق الكلام غير المباشر الفحص أيضًا عندما يسمح سياقه بتحديد المقصود. لكن ثبوت المخالفة وتقدير الجزاء يعودان إلى القضاء المختص، مع مراعاة الضمانات القانونية وضرورة تناسب أي تقييد للتعبير مع حماية حقوق الآخرين وسمعتهم.
كيف يكون النقد مسؤولًا؟
النقد المهني يحدّد الموقف الذي يطرحه، ويشرح الاعتراض عليه، ويستند إلى الوقائع، ويمنح صاحبه فرصة الرد. ويمكنه أن يكون حازمًا ومباشرًا مع الحفاظ على كرامة الأشخاص.
كان يمكن مناقشة مواقف الفنانات وأسبابها، ودور المؤسسات الفنية والإعلامية في المنطقة، بأسلوب محترم. لكن استخدام وصف مهين يحوّل النقاش إلى إساءة ويمنع الحوار الهادئ.
في كوليس، نرى أن احترام نجوى كرم ونوال الزغبي ونانسي عجرم يشمل إنصاف مسيراتهنّ، وصون كرامتهنّ، واحترام حقهنّ في التعبير، مع إبقاء مواقفهنّ قابلة للنقاش والنقد. للكلمة أثر، وللمنبر مسؤولية، وللمحاسبة دور في حماية ثقة الجمهور بالإعلام.
برأيكم، ما الإجراء الذي يعيد الاعتبار للمتضرّرات ويمنع تكرار التجريح على المنابر الإعلامية؟
اقرأ أيضًا: يارا تخطف الأنظار من بيروت إلى أربيل… ماذا حملت أيامها الأخيرة من مفاجآت؟
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة
