في وقتٍ لم تكد فيه صناعة الطيران تلتقط أنفاسها من آثار جائحة كورونا، وجدت نفسها مجددًا أمام اختبار قاسٍ، لكن هذه المرة من بوابة السياسة والنار معًا. فمع دخول المواجهة مع إيران أسبوعها الرابع، لم تعد الأزمة عبارة عن توتر عابر، بل تحوّلت إلى واقع ثقيل يضغط على أجنحة القطاع بأكمله.
الخسائر لم تتأخر في الظهور. نحو 53 مليار دولار تبخّرت من القيمة السوقية لأكبر عشرين شركة طيران في العالم، في مشهد يؤكد حجم القلق الذي يسيطر على المستثمرين قبل المسافرين. لم يعد السؤال: هل سيتأثر القطاع؟ بل: إلى أي حد يمكنه الصمود؟
العامل الأكثر قسوة كان بلا شك الوقود. الارتفاع الحاد في أسعاره، عقب التصعيد العسكري، وضع شركات الطيران أمام معادلة صعبة. فتكلفة التشغيل قفزت بشكل مفاجئ، بينما أسعار التذاكر لا يمكن تعديلها بالسرعة نفسها. وهنا تظهر المفارقة: صناعة بمليارات الدولارات، لكنها في النهاية تعمل بهوامش ربح ضيقة للغاية، لا تتجاوز في بعض الأحيان بضعة يوروهات لكل مسافر.
شركات كبرى بدأت تدق ناقوس الخطر. التحذيرات من زيادات حادة في أسعار التذاكر لم تعد احتمالًا، بل مسارًا شبه محتوم. ليس بدافع تحقيق أرباح إضافية، بل كوسيلة للبقاء. فالوقود، الذي يلتهم نحو ثلث التكاليف، لم يعد قابلًا للاحتواء ضمن المعادلات القديمة.
في المنطقة، الصورة أكثر تعقيدًا. إغلاق المسارات الجوية، وتراجع حركة السياحة، أجبر العديد من الشركات على تقليص جداول رحلاتها. مشهد يعيد إلى الأذهان ما حدث بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، حين تغيّر سلوك السفر العالمي بشكل مفاجئ، واحتاج سنوات ليستعيد توازنه.
لكن التأثير لم يتوقف عند حدود نقل الركاب. الشحن الجوي دخل بدوره في قلب الأزمة. مع تعطل الملاحة البحرية في بعض المسارات، تحوّل جزء كبير من البضائع نحو الجو، ما وضع ضغطًا غير مسبوق على المطارات وشركات الشحن. مطارات كبرى مثل جنيف وباريس تعمل اليوم بأقصى طاقتها، في محاولة لمواكبة هذا التحول السريع.
أمام هذا الواقع، بدأت شركات الطيران تتحرك بخيارات دفاعية: تقليص بعض الخطوط، إعادة توزيع الرحلات، وحتى مراجعة خططها نحو آسيا في ظل اضطراب سلاسل الإمداد. قرارات قد تبدو مؤقتة، لكنها تؤكد حجم التحدي الذي يواجه القطاع.
ورغم قتامة المشهد، لا يغيب عنصر التفاؤل الحذر. خبراء الصناعة يرون أن هذا القطاع، بطبيعته، سريع التأثر بالأزمات وسريع التعافي منها أيضًا. أي تهدئة في مسار الأحداث، سواء عبر هدنة أو اتفاق، قد تعيد الثقة للأسواق، وتدفع عجلة السفر والشحن للعودة بوتيرة أسرع مما يُتوقع.
في النهاية، ما يحدث اليوم ليس أزمة عابرة في قطاع الطيران، بل تذكير جديد بمدى ارتباط السماء بما يجري على الأرض. فحين تشتعل السياسة، تضطرب المسارات، وحين تهدأ، تعود الطائرات لتحلّق وكأن شيئًا لم يكن.
اقرأ أيضًا: ترامب بين اندفاع القوة ومرونة التفاهم
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

