في نهاية مسلسل مولانا، لم يكن المشهد خاتمة فحسب، بل بدايةً مقلقة. القطار ذاته، الغموض ذاته، والشخص ذاته الذي لا يعود كما كان، بل يعود كفكرة. حين قال “أنا مولانا”، لم يكن يعرّف بنفسه، بل كان يعلن ولادة دور… دور يتكرر كلما عجزت المجتمعات عن حل أزماتها بنفسها.
وهنا تحديدًا، يصبح المشهد أبعد من الدراما.
في الواقع الإقليمي اليوم، تتكرر الحكاية بطريقة مختلفة، لكن بجوهر واحد. صراعات تتصاعد، أطراف تتنازع، واقتصاد عالمي يهتز على وقع التهديدات، خصوصًا حين تتحول الطاقة إلى أداة ضغط، والمضائق إلى أوراق تفاوض. ومع كل هذا التعقيد، لا يظهر الحل… بل يظهر السؤال: من سيتدخل؟ من سيفك العقدة؟ من سيكون “مولانا” هذه المرة؟
لكن الفرق بين الدراما والواقع، أن الواقع لا يكتب نهايات حاسمة.
في المسلسل، كان “مولانا” يدخل إلى الفوضى ويعيد ترتيبها، حتى لو بطرق رمادية. كان يملأ الفراغ، ويمنح الجميع شعورًا بأن هناك من يسيطر على المشهد. أما في السياسة، فلا يوجد هذا الامتياز. الدول لا تتحرك كأبطال، بل كحسابات. حتى الأطراف التي تحاول التهدئة، مثل باكستان، لا تلعب دور “المنقذ”، بل دور “الميسّر”؛ تنقل الرسائل، تخفف الاحتقان، لكنها لا تصنع النهاية.
وهنا هي المفارقة.
نحن نعيش واقعًا معقدًا يشبه تمامًا ما كان “مولانا” يحاول تبسيطه. صراع يتوسع، تهديدات تمتد إلى الاقتصاد العالمي، ومضائق تتحول من جغرافيا إلى أدوات ضغط. ومع ذلك، لا يوجد من يستطيع أن يقف ويقول: “أنا الحل”.
وربما هذا هو الدرس الذي حاولت النهاية أن تهمس به.
المشهد الأخير لم يكن وعدًا بقدوم منقذ جديد، بل تحذيرًا من تكرار نفس النموذج. لأن كل مرة ننتظر فيها “مولانا”، نحن في الحقيقة نؤجل مواجهة المشكلة الحقيقية: غياب النظام القادر على إدارة الصراع دون الحاجة إلى بطل.
في الصراع الإقليمي الحالي، نجد هذه الفكرة بوضوح. لا أحد يملك الحسم، ولا أحد يريد الانفجار الكامل، والجميع يتحرك ضمن مساحة ضيقة بين التصعيد والاحتواء. إنها حالة مستمرة من “إدارة الأزمة”، لا حلها. تمامًا كما لو أن القطار لا يتوقف… بل يمر بمحطات مختلفة لنفس القصة.
وهنا يصبح السؤال أكثر حدة:
هل المشكلة في غياب “مولانا”… أم في أننا ما زلنا نبحث عنه؟
لأن الحقيقة التي تكشفها الدراما، ويؤكدها الواقع، هي أن المنقذ ليس حلًا دائمًا، بل عرض لخلل أعمق. وكلما اعتمدنا على شخص ليحل ما هو أكبر منه، ضمنا أن القصة ستتكرر، بوجوه مختلفة، لكن بنفس النهاية المفتوحة.
في النهاية، لا يحتاج هذا الصراع إلى منقذٍ جديد… بل إلى واقعٍ لا يضطر للبحث عن منقذ.
اقرأ أيضًا: بين التلويح والانفجار: كيف تدير إيران أخطر أوراقها دون أن تحرقها؟
اضغط هنا وشاهد الفيديو
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

