في واشنطن، لا شيء يُقال كما هو… ولا شيء يُخفى بالكامل. هناك دائمًا جملة دافئة تُقال بنبرة مطمئنة، تعقبها مباشرة عبارة بملامح باردة تشبه تحذيرًا مبطنًا. وهكذا، تبدو السياسة الأمريكية اليوم وكأنها تكتب رسائلها بحبرين: واحد للتفاوض، وآخر للتصعيد.
أحدث فصول هذه اللغة المزدوجة جاء على لسان ماركو روبيو، الذي فتح الباب على مصراعيه أمام “سيناريو مختلف” في إيران، مرحبًا – بل ومتحمسًا – لأي قيادة تحمل رؤية جديدة للمستقبل. جملة تبدو وكأنها دعوة للحوار… لكنها في العمق تحمل تلميحًا أقل لطفًا: “نحن مستعدون للتعامل مع إيران أخرى، إن وُجدت”.
بعبارة أخرى، واشنطن لا تغيّر سياستها… بل تنتظر أن تتغير طهران.
لكن روبيو، كعادته، لم يترك الجملة معلّقة في الهواء. فقد سارع إلى تثبيت المعادلة الحقيقية: مضيق هرمز سيبقى مفتوحًا… سواء أعجب ذلك إيران أم لا. وهنا، تتحول الدبلوماسية إلى ما يشبه إعلانًا مبطنًا عن “خطة بديلة”: إما التزام بالقانون الدولي، أو تحالف دولي واسع – تقوده الولايات المتحدة – سيتكفل بالمهمة.
الرسالة واضحة، حتى لو قُدمت بلغة هادئة: الخيارات مفتوحة… لكن النتائج محسومة سلفًا.
في الخلفية، تتحدث واشنطن عن مفاوضات “جدية” مع طهران. خلف الأبواب المغلقة، الأمور تبدو أقل توترًا مما يظهر على الشاشات. هناك، وفق التسريبات، أصوات إيرانية أكثر براغماتية، تتحدث بلغة المصالح لا الشعارات، وتتعامل مع الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون.
أما في العلن، فالصوت أعلى، واللغة أشد، وكأن الطرفين يؤديان عرضًا مسرحيًا متقنًا: تصعيد أمام الجمهور… ومرونة خلف الستار.
حتى دونالد ترامب الذي لا يُعرف عنه حب التفاصيل الدقيقة، دخل على الخط بطريقته الخاصة: مهلة زمنية، تهديدات مباشرة، وحديث عن استهداف منشآت حيوية إذا لم تُفتح الأبواب سريعًا أمام الاتفاق.
لكن المفارقة أن هذا التصعيد ذاته قد يكون جزءًا من التفاوض، لا خروجًا عنه. فرفع السقف ليس دائمًا تمهيدًا للحرب، بل أحيانًا محاولة لفرض شروط أفضل على طاولة الحوار.

المشهد، في جوهره، ليس صراعًا بسيطًا بين طرفين، بل لعبة توازن دقيقة: واشنطن تضغط دون أن تكسر، وطهران تناور دون أن تنسحب. كلاهما يقترب من الحافة… لكن لا أحد يريد السقوط.
أما مضيق هرمز، فهو ليس مجرد ممر مائي، بل ورقة ضغط بحجم العالم. من يسيطر عليه لا يهدد خصمه فقط، بل يضع الاقتصاد العالمي كله في حالة ترقب. ولهذا تحديدًا، تتحول كل جملة تُقال عنه إلى ما يشبه إعلان نوايا استراتيجي.
في النهاية، ما يجري ليس فقط مفاوضات، ولا مجرد تصعيد. إنه فصل جديد من سياسة “اللا-حسم المدروس”، حيث تُستخدم التهديدات كأدوات تفاوض، وتُقدَّم التهدئة كخيار… مشروط.
وبين الابتسامة الأمريكية التي ترحب بـ“إيران جديدة”، والإصبع الموضوع بهدوء على الزناد، يبقى السؤال الحقيقي:
هل نحن أمام تسوية تقترب… أم أمام انفجار يتم تأجيله فقط؟
اقرأ أيضًا: تصعيد في ملف الطاقة… رسائل واشنطن تتجاوز التحذير إلى إعادة رسم قواعد اللعبة
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

