في ظاهرةٍ أصبحت تتكرر بشكل لافت وتنقل صورة سطحية لواقع الإعلام الرقمي اليوم، طرح وائل كفوري أغنية جديدة حصدت تفاعلًا واسعًا بين جمهوره ومحبيه، وعادت لتؤكد مكانته كأحد ألمع نجوم الأغنية العربية. لكن بدل أن تتجه الأنظار إلى الأغنية نفسها، إلى كلماتها ولحنها ورسالتها الفنية، اختار كثيرون طريقًا آخر أكثر سطحية وإثارة للجدل.
فجأة، لم يعد السؤال: “كيف كانت الأغنية؟”
بل أصبح: “لماذا خسر وائل كفوري وزنه؟”
وكأن العمل الفني اختفى بالكامل، وحلّ مكانه هوس جماعي بمظهر الفنان وشكله الخارجي.
المشكلة ليست في ملاحظة التغيير الجسدي بحد ذاته، بل في الطريقة التي تم بها تناول الموضوع. فخلال ساعات قليلة، امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بعشرات التحليلات والتكهنات والقصص المفبركة، وتحول الأمر إلى مادة دسمة للصفحات الباحثة عن المشاهدات والتفاعل السريع.
الأخطر من ذلك أن بعض الصفحات الإعلامية التي يفترض أن تتحلى بالمهنية شاركت في هذا السلوك. بدل أن تناقش الأغنية، أو تراجع العمل الفني، أو تسلط الضوء على النجاح الذي حققه، انشغلت بعناوين مثيرة تستند إلى التخمين لا إلى الحقائق.
منذ متى أصبحت صحة الفنان أو وزنه مادة إعلامية أهم من فنه؟
ومنذ متى تحولت حياة المشاهير الخاصة إلى مساحة مفتوحة أمام الجميع لإطلاق الأحكام والشائعات؟
ما يحدث مع وائل كفوري اليوم لا يخصه وحده، بل يعكس أزمة أكبر يعيشها المحتوى الرقمي العربي. أزمة جعلت الإثارة تتفوق على المضمون، وجعلت الشائعة أكثر انتشارًا من الحقيقة، وجعلت التفاصيل الشخصية أكثر جاذبية من الإنجازات المهنية.
المفارقة أن الجمهور كان ينتظر الأغنية، بينما كانت بعض الصفحات تنتظر صورة جديدة أو زاوية مختلفة لتبدأ رحلة التكهنات والتأويلات. وكأن الفنان لم يعد يُقيّم بما يقدمه من أعمال، بل بما يظهر عليه من تغيرات جسدية يمكن تحويلها إلى مادة للجدل.
لكن السؤال الذي يتجنب كثيرون طرحه هو: ماذا لو كان هذا الشخص فردًا عاديًا؟
هل نقبل أن يتحول شكله أو وزنه أو مظهره إلى موضوع للنقاش العام؟ وهل نقبل أن تُبنى حوله عشرات الروايات دون أي دليل؟
الفنان ليس مشروع إشاعة مفتوحًا على مدار الساعة، وليس مادة استهلاكية لإشباع فضول الجمهور. الفنان إنسان له خصوصيته وظروفه وحياته الشخصية، ومن حقه أن يُحترم كما يُحترم أي شخص آخر.
وائل كفوري لم يطلب من الجمهور أن يناقش وزنه، بل قدّم أغنية جديدة. لكن يبدو أن البعض لم يعد مهتمًا بما يُقدّمه الفنان، بل بما يمكن اختلاقه حوله.
وهنا نصل إلى المشكلة الحقيقية.
فحين يصبح جسد الفنان أهم من فنه، وحين تتفوق الشائعات على الأعمال الفنية، وحين يتحول الإعلام إلى منصة للتكهنات بدل أن يكون منصة للمعلومة، فإننا لا نكون أمام أزمة فنان، بل أمام أزمة محتوى كاملة.
ربما آن الأوان لنسأل أنفسنا: هل نريد إعلامًا يحتفي بالإبداع، أم إعلامًا يقتات على حياة الناس الخاصة؟
لأن الفرق بين الاثنين هو الفرق بين صناعة الوعي وصناعة الترند التافهة.
اقرأ أيضًا: نانسي عجرم في جولتها … لماذا نفتح القصص القديمة بدل أن نحتفي بامرأة لبنانية ناجحة؟
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

