منذ اللحظة الأولى لطرح العمل الجديد للفنانة هيفاء وهبي، انقسمت الآراء بشكل حاد بين مؤيد ومعارض. فبينما اعتبر البعض أن الأغنية تجاوزت حدود الذوق العام، رأى آخرون أنها وضعت إصبعها على جرح حقيقي تعيشه مجتمعاتنا الرقمية يوميًا. لكن السؤال الأهم هنا ليس: هل أعجبتنا الأغنية أم لا؟ بل: لماذا نرفض رؤية الواقع عندما يُعرض أمامنا بوضوح؟
السوشيال ميديا اليوم تحولت إلى مساحة مفتوحة لكل أنواع الخطابات، الجميل منها والقبيح. يكفي أن يتصفح أي شخص التعليقات المنتشرة على المنصات المختلفة ليجد كمًا هائلًا من التنمر والسخرية والإهانات والأحكام المسبقة. هناك صفحات كاملة بُنيت شهرتها على الاستهزاء بالآخرين، وحسابات لا تقدم أي محتوى سوى نشر السلبية وإثارة الجدل. ومع ذلك، أصبح هذا المشهد مألوفًا إلى درجة أن الكثيرين توقفوا عن ملاحظته أو الاعتراض عليه.
عندما جاءت هيفاء وهبي وقدمت عملًا يعكس هذا الواقع بأسلوب فني مباشر، انفجرت موجة الانتقادات. وكأن المشكلة ليست في السلوك المنتشر أصلًا، بل فيمن قرر أن يضع مرآة أمام المجتمع ليشاهده كما هو. هنا هي المفارقة الكبرى: الناس تتسامح مع الإساءة عندما تمارسها يوميًا، لكنها تنزعج عندما تراها مجسدة في عمل فني يكشف حجم انتشارها.

الفن الحقيقي لم يكن يومًا وسيلة للترفيه، ولكن كان دائمًا أداة لطرح الأسئلة الصعبة وإثارة الجدل الذي يفضل البعض تجاهله. لذلك لا يمكن اختزال أي عمل فني مثير للجدل في كلمات مقتطعة أو مشهد معين دون النظر إلى السياق الكامل والرسالة التي يحملها. فالفنان أحيانًا لا يقدم النموذج المثالي، بل يعرض الواقع بكل تناقضاته حتى يدفع الجمهور إلى التفكير وإعادة النظر في مواقفه.
وإذا تأملنا ردود الفعل التي صاحبت الأغنية، سنجد أنها في حد ذاتها دليل على نجاحها في إثارة الجدل. فالأعمال العادية تمر بصمت، أما الأعمال التي يكون لها تأثير مباشر على المجتمع فهي التي تخلق الجدل وتدفع الناس إلى التعبير عن آرائهم. وهذا ما حدث تمامًا؛ إذ تحولت الأغنية إلى مادة للنقاش حول طريقة التعبير، وطبيعة الخطاب المنتشر على الإنترنت، ومستوى تقبلنا للآخر المختلف.
المشكلة الحقيقية ليست في أغنية أو كلمة أو فنانة، بل في المعايير المزدوجة التي نتعامل بها مع المحتوى. كيف نقبل الإهانة عندما تأتي من مستخدم مجهول خلف شاشة، ثم نرفضها عندما تتحول إلى رسالة فنية تسلط الضوء على المشكلة نفسها؟ وكيف نستنكر انعكاس الواقع بينما نتجاهل الواقع ذاته؟
في النهاية، قد يتفق البعض مع هيفاء وهبي وقد يختلف آخرون معها، وهذا حق طبيعي ومشروع. لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن العمل نجح في كشف تناقض واضح داخل المجتمع الرقمي. فربما لم تكن الضجة التي أثيرت حول الأغنية دليلًا على فشل الرسالة، بل كانت الدليل الأقوى على أنها أصابت هدفها. فالمرآة لا تخلق العيوب، بل تكشفها فقط، والمشكلة ليست فيما نراه داخلها، بل فيما نحاول تجاهله خارجها.
اقرأ أيضًا: نانسي عجرم في جولتها الأخيرة… هل تكفي الأغنية الجميلة لتجعل المسافة بين بيروت والعالم أقصر؟
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

