ليست كل المآسي تُروى بالأخبار، فبعضها يكتب نفسه في ملامح أصحابها، ويترك أثره في كل من يشاهده. وما عاشته الفنانة نورا رحال بعد رحيل ابنها أليكس لم يكن مجرد حدث مؤلم تابعته مواقع التواصل الاجتماعي، إنما موقف إنساني أعاد طرح أسئلة مهمة عن الإيمان، والصبر، والتعاطف، وكيف يمكن للإنسان أن يتمسك بالنور وهو يمر في أحلك لحظات حياته.

من تابع نورا في الأيام الماضية لم يرَ فقط أمًا فقدت ابنها، بل رأى وجعًا يصعب وصفه بالكلمات. ومع ذلك، كان هناك مشهد استوقف كثيرين، حين نشرت صورة أليكس وأرفقتها بالعبارة: “من آمن بي وإن مات فسيحيا.”
قد يقرأ كل شخص هذه الكلمات بطريقة مختلفة، لكن بالنسبة لكثيرين بدت وكأنها رسالة تسليم لله، وإعلان بأن الإيمان يبقى السند الوحيد عندما يعجز القلب عن احتمال الفقد.
وهنا نكتشف القوة الحقيقية.
فالإيمان لا يمحو الوجع، ولا يجعل الفراق أقل قسوة، لكنه يمنح الإنسان القدرة على الوقوف مجددًا، حتى وإن كانت روحه مثقلة بالحزن. الألم لا يختفي، والحنين لا يغادر، لكن الإيمان يزرع في القلب يقينًا بأن لكل ابتلاء حكمة، ولكل لقاء موعدًا لا يعلمه إلا الله.
ولعل أجمل ما خرج به كثيرون من هذه المأساة أن رسالة نورا لم تكن موجهة لنفسها فقط، بل وصلت إلى كل من شاهدها. فقد ذكّرت الجميع بأن الإنسان قد يخسر الكثير في حياته، لكن ما يمنحه القدرة على الاستمرار هو ثقته بالله وتمسكه بالأمل مهما اشتدت المحن.
وفي خضم هذا الحزن، تصاعد النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما انتقد بعض الأشخاص تداول الصور والمشاهد التي وثّقت لحظات الوداع، معتبرين أن إعادة نشرها لا تؤدي إلا إلى تجديد ألم الأم كلما وقعت عيناها عليها.

لكن هل الحل أن نغضّ النظر عن الألم؟
ربما تكون الإجابة مختلفة لدى كل شخص، إلا أن ما لا يمكن إنكاره هو أن هذه المشاهد، عندما تُنقل باحترام ودون استغلال، تذكرنا بإنسانيتنا قبل أي شيء آخر.
فهناك مفهوم يعرف في اللغة الإنجليزية بـ Empathy، ويقابله بالعربية التعاطف الوجداني؛ أي أن تضع نفسك مكان الآخر، وتحاول أن تشعر بما يمر به، لا أن تكتفي بمشاهدته من بعيد.
وهذا تحديدًا ما يحتاجه العالم اليوم.
أن نتوقف قليلًا قبل إطلاق الأحكام، وأن نتذكر أن خلف كل صورة قصة، وخلف كل دمعة قلبًا يعيش معركة لا نعرف تفاصيلها. فالتعاطف لا يعني الشفقة، بل يعني أن نتعامل مع آلام الآخرين بقدر أكبر من الرحمة والوعي.
ربما لهذا السبب حرّكت قصة نورا رحال مشاعر هذا العدد الكبير من الناس، كانت قصة فقد، ودرسًا بأن الحياة أقصر مما نظن، وأن الخلافات والخصومات، والكلمات القاسية، كلها تفقد معناها أمام لحظة واحدة قد تغيّر كل شيء.
لذلك، لعل الرسالة الأجمل التي خرجت من هذه المأساة هي أن نتمسك بالإيمان، وأن نزرع المحبة في قلوبنا، وأن نمارس التعاطف الحقيقي مع الآخرين، وأن نسامح قبل أن يفوت الأوان، لأننا لا نعرف ماذا تخبئ لنا الأيام.
وفي الختام، تبقى الكلمات عاجزة أمام ألم أم فقدت فلذة كبدها. خالص التعازي للفنانة نورا رحال وعائلتها الكريمة، والدعاء بالرحمة لأليكس، سائلين الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يمنح والدته وأسرته الصبر والقوة، وأن يجعل هذه المحنة آخر أحزانهم.
اقرأ أيضًا: بين دموع الوداع ورجاء الإيمان … نورا رحال تواجه أصعب امتحان في حياة أي أم
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

