هناك فنانون يحبهم الجمهور بسبب أغانيهم، وهناك فنانون تكبر محبتهم مع كل موقف صغير يكشف شيئًا من شخصيتهم. ونانسي عجرم، بالنسبة لنا، واحدة من هؤلاء.
من يتابع نانسي جيدًا يلاحظ تفصيلًا جميلًا يصعب تجاهله: هي ترى جمهورها فعلًا.
ترى من يكتب عنها، ومن ينشر أغنية لها، ومن يشارك لحظة من حفل، ومن يعبّر عن محبته لها. تعيد نشر ما يكتبه الناس عنها، تتفاعل معهم، تردّ حين تستطيع، وتتعامل مع هذا الحب بأدب ورقي واحترام كبير.
والأجمل أنها، رغم سنوات النجومية والنجاحات والحفلات والجولات، لم تتعامل يومًا مع محبة الناس وكأنها أمر مفروغ منه.

وهذه وحدها تقول الكثير عن الفنان.
لأن المهنية ليست فقط أن تصعد إلى المسرح في الموعد، أو أن تقدم أغنية ناجحة، أو أن تحافظ على اسمك لسنوات. المهنية أيضًا هي كيف تحترم الإنسان الذي أوصلك إلى هذه المكانة، وكيف تردّ له جزءًا من الحب الذي يمنحك إياه.
وهنا نفهم أكثر لماذا اختارت نانسي أن تفتح للجمهور بابًا مختلفًا من خلال الوثائقي المميز.
فالصورة التي تصل إلينا عادة مكتملة: نانسي على المسرح، الأغنية جاهزة، الإضاءة جميلة، الجمهور يغني، والنجمة تبتسم.
لكن ماذا حدث قبل هذه اللحظة؟
كم ساعة من التعب سبقتها؟
كم رحلة؟ كم بروفة؟ كم قرارًا؟ كم لحظة صعبة مرّت خلال الجولات؟ وكم مرة كان عليها أن تتجاوز إرهاقها لتخرج أمام جمهور ينتظر منها أن تكون نانسي التي يعرفها ويحبها؟
هذه التفاصيل لا يراها الناس دائمًا.
ولهذا كانت فكرة أن تقول للجمهور: تعالوا شاهدوا ما يحدث قبل أن تصل الأغنية والحفلة والابتسامة إليكم، رسالة جميلة جدًا.
كأنها تقول لهم: أنا لا أقدم لكم شيئًا بسهولة كما قد يبدو من الخارج. كل أغنية أغنيها لكم، وكل كلمة تصل إليكم، وكل مسرح أقف عليه، وراءه مراحل كثيرة من العمل والتعب والتحضير.
وهنا يصبح الوثائقي أهم من سرد نجاحات فنانة.
لأنه يضع الإنسان خلف اسم “نانسي عجرم” أمام الجمهور.

والفنان، مهما كان مشهورًا، يبقى إنسانًا يتعب ويقلق ويواجه أيامًا سهلة وأخرى صعبة. لكن المشكلة أن البعض لا يرى سوى النتيجة النهائية، ثم يسمح لنفسه بأن يحكم على الفنان من صورة، أو لقطة، أو موقف عابر، وأحيانًا بأحكام قاسية جدًا من دون أن يعرف شيئًا عما حدث خلف الكواليس.
ونانسي اختارت أن تجيب بطريقة جميلة: من دون صراخ، ومن دون شكوى، ومن دون أن تطلب من أحد أن يتعاطف معها.
فقط فتحت الباب وقالت: هذه رحلتي… شاهدوا بأنفسكم.
وهذا هو الرقي.
أما أجمل ما في الرسالة، فهو أن نانسي لم تقل لجمهورها فقط: “انظروا كم أتعب”.
قالت لهم بطريقة غير مباشرة: أنتم تستحقون هذا التعب.
وهنا يصبح لكل أغنية معنى آخر، ولكل حفلة قيمة أخرى، ولكل لحظة تقف فيها أمام جمهورها قصة بدأت قبل وقت طويل من إضاءة المسرح.
رسالتك يا نانسي لم تكن فقط عن تعب الفنان خلف الكواليس.
كانت عن احترام المهنة، واحترام الجمهور، والصدق مع الناس الذين أحبوك طوال هذه السنوات.
وربما لهذا تحديدًا بقيت العلاقة بين نانسي وجمهورها بهذه القوة: لأنها لم تتعامل معهم يومًا كأرقام خلف شاشة، بل كأشخاص يصلها حبهم، فتراه وتقدّره وتحاول أن ترد عليه بمحبة كبيرة وصادقة.
وفي وقت أصبح فيه التفاعل أحيانًا محسوبًا، والصورة محسوبة، والكلمة محسوبة… يبقى الصدق من الأشياء التي لا يمكن تصنيعها.
ونانسي عجرم، في تعاملها مع جمهورها، لا تحتاج أن تقول إنها تحبهم كثيرًا… تصرفاتها تقول ذلك عنها.
والآن، بعد أن شاهدنا جزءًا مما يحدث خلف الأغنية والحفل والابتسامة:
هل غيّر الوثائقي نظرتكم إلى حجم التعب الذي يعيشه الفنان حتى تصل إلينا تلك اللحظة التي نراها نحن بكل بساطة على المسرح؟
اقرأ أيضًا: بنش مارك تجمع إليسا ووائل جسار… لكن ماذا ينتظر جمهور جدة؟
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة
