ليس كل ما يحقق مشاهدات يستحق أن يُقدَّم للناس.
وليس كل من يملك ملايين المتابعين أصبح قدوة.
القضية اليوم ليست سرير عبد الحليم حافظ، ولا الجدل الذي رافق تلك الزيارة، فذلك أصبح محل نقاش واسع بين الجميع. القضية الأهم هي الرسالة التي خرجت إلى ملايين المشاهدين، والصورة التي حملها مؤثر يمثل نفسه أولًا، لكنه في نظر كثيرين يحمل أيضًا هوية بلده أينما ذهب.
عندما يتحول المحتوى إلى تباهٍ على حساب الاحترام أو إلى محاولة لتبرير تصرف أثار رفضًا واسعًا، فإن الضرر لا يتوقف عند صاحبه، بل يمتد إلى صورة المجتمع الذي ينتمي إليه، وإلى العلاقة بين الشعوب.
ومن المؤسف أكثر أن يتحول النقاش من تصحيح الخطأ إلى إطلاق عبارات توحي بوجود كراهية بين شعبين تجمعهما علاقات تاريخية وأخوية، من دون أي دليل أو مسؤولية في الطرح. مثل هذه التصريحات لا تصنع محتوى، بل تفتح بابًا للتوتر وسوء الفهم، وتمنح المتابعين صورة لا تظهر حقيقة العلاقة بين الكويت ومصر.
الكويت عُرفت دائمًا بإعلامها المسؤول، وباحترامها للثقافة والفن والتراث، كما عُرف الكويتيون بأخلاقهم وحضورهم الراقي أينما ذهبوا. لذلك، لا يجوز أن تختزل هذه الصورة في محتوى قائم على الجدل أو الاستفزاز أو كسر القواعد من أجل زيادة المشاهدات.
حرية صناعة المحتوى حق، لكنها لا تعني غياب المسؤولية.
وكلما ازداد عدد المتابعين، ازدادت مسؤولية صاحب المنصة، لأن تأثيره لم يعد شخصيًا، بل أصبح يصل إلى فئة كبيرة من الشباب، وعلى الانطباع الذي يتكون عن وطنه خارج حدوده.
ومن هنا، يصبح من حق الجهات المختصة في الكويت، ولا سيما الجهات المعنية بالإعلام الإلكتروني وتنظيم المحتوى الرقمي، أن تدرس هذه الظاهرة بجدية، وأن تضع أطرًا واضحة للمحتوى الذي يسيء إلى صورة الدولة أو يؤجج الخلاف بين الشعوب أو يقدم الاستفزاز على أنه نجاح رقمي.
فالمطلوب ليس تقييد حرية التعبير، بل حماية المسؤولية المجتمعية، والحفاظ على المكانة التي بنتها الكويت عبر سنوات طويلة من الاحترام والاعتدال.
السؤال اليوم ليس: ماذا فعل هذا المؤثر؟
السؤال الحقيقي هو: أي صورة نريد أن يحملها العالم عن الكويت؟
هل نريد أن تُعرف الكويت بثقافتها، واحترامها، ورسالتها الإنسانية، أم أن نترك هذه الصورة تُختطف بسبب محتوى يبحث عن الجدل أكثر مما يبحث عن القيمة؟
الكويت أكبر من أي محتوى، وصورتها تستحق أن تُصان لا أن تُستغل من أجل الجدل والمشاهدات.
المتابعون رقم… أما التأثير الحقيقي فهو مسؤولية. والقيمة التي يتركها الإنسان في عقول الناس وثقافتهم أهم بكثير من أي عدد يظهر على الشاشة.
فهل آن الأوان لوضع معايير أكثر وضوحًا للمحتوى الذي يمثل الكويت خارج حدودها، حتى تبقى صورة الوطن كما يعرفها الجميع: صورة احترام، وثقافة، ومسؤولية؟
اليوم، لم يعد الواقع كما كان في السابق. فمع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت أي صورة أو مقطع فيديو قادرًا على الوصول إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق، وأي تصرف فردي قد يكون له تداعيات سلبية على صورة وطن بأكمله. لذلك، أصبح الالتزام بالتعليمات والإرشادات ضرورة لا خيارًا، وأصبحت معالجة مثل هذه القضايا بحزم ووعي أمرًا مهمًا، حفاظًا على صورة الكويت، وصونًا للعلاقات الأخوية التي تجمعها بمحيطها العربي.
اقرأ أيضًا: سرير عبد الحليم حافظ أشعل الجدل… لكن هل المشكلة في الزائر أم في غياب الرقابة؟
ليما راشد حمد الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة
