في خضم هذا الوضع المعقّد، تبدو الصورة وكأنها تتأرجح بين بداية انفراج محتمل وغموضٍ لا يزال يفرض نفسه بقوة.
ليس من السهل اليوم الجزم بما ستؤول إليه الأمور، لكن من الواضح أن شيئًا ما قد تحرّك—ولو جزئيًا.
طاقة إيجابية… ولكن مشروطة
فتح مضيق هرمز لم يكن مجرد خطوة تقنية،
بل إشارة حملت معها رسالة تهدئة واضحة.
الدليل الواضح؟
هبوط أسعار النفط بنسبة تقارب 10% خلال وقت قصير، في رد فعل مباشر لحالة الارتياح النسبي في الأسواق.
هذا يعني أن هناك:
-مؤشرات تهدئة
-فرصة لبناء مسار تفاوضي
-إمكانية للانتقال إلى مرحلة أقل توترًا
لكن هذه الطاقة الإيجابية لم تكن متماسكة، فسرعان ما تراجعت مع إعادة الإغلاق وما حمله من تداعيات سلبية. وهي في جوهرها بحاجة إلى خطاب سياسي يعزّزها… لا يقوّضها.
المشكلة في اللغة… لا في الفرصة
رغم هذه المؤشرات،
تأتي التصريحات الأمريكية—خصوصًا من دونالد ترامب—بلهجة توصف بأنها:
-متعالية
-صدامية
-وغير منسجمة مع مناخ التهدئة
وهنا هي الإشكالية الحقيقية:
المنطقة لا تحتاج فقط إلى اتفاقات، بل إلى احترام متبادل.
أي عملية سياسية تفتقر إلى توازنٍ حقيقي في العلاقة، وتُبنى على فرض الإرادة من طرف واحد، تبقى هشّة بطبيعتها، وقابلة للانهيار مهما بدت ناجحة في ظاهرها أو على المدى القصير.
من يقرر فعليًا؟
أحد الأسئلة الأكثر حساسية:
هل القرار بيد الولايات المتحدة… أم إسرائيل؟
من الواضح أن غالبية التحليلات تشير إلى عدة أمور:
-قرار التصعيد كان إسرائيليًا بالأساس
-وتم تسويقه داخل الإدارة الأمريكية
-دون مراعاة كافية لتعقيدات المنطقة وشعوبها
وهذا ما يفسر الفجوة بين:
-الأهداف الأمريكية
-والأجندة الإسرائيلية
وهي فجوة قد تظهر بشكل أوضح في المراحل القادمة.
داخل إيران… تباين أم انقسام؟
في الداخل الإيراني، الصورة ليست موحّدة تمامًا.
هناك مؤشرات على تباين في الخطاب بين:
-وزارة الخارجية
-الحرس الثوري
-مجلس الأمن القومي
لغة مختلفة،
مواقف غير متطابقة،
وحتى رسائل متناقضة أحيانًا.
هذا لا يعني بالضرورة وجود انقسام حاد،
لكنّه يشير إلى:
حالة ارتباك أو إعادة تموضع داخلي بعد الضربات والخسائر التي تعرّضت لها إيران.
هل نحن أمام هدنة… أم استراحة قبل التصعيد؟
السيناريو الأكثر واقعية حاليًا:
-فترة تهدئة مؤقتة (قد تمتد لأسابيع أو أشهر)
-مفاوضات غير مباشرة
-محاولة الوصول إلى اتفاق مرحلي
لكن في المقابل،
يبقى احتمال عودة التصعيد قائمًا، خاصة إذا:
-فشلت التفاهمات
-أو ظهر جناح متشدد داخل إيران يرفض التسويات
إيران… ماذا تريد فعليًا؟
لفهم السلوك الإيراني، يجب العودة إلى ما بعد عام 1991.
منذ نهاية الحرب الباردة،
تسعى إيران إلى تحقيق هدفين أساسيين:
1. امتلاك القوة… دون الوصول إلى القنبلة
البرنامج النووي ليس بالضرورة لصناعة سلاح،
بل لخلق ورقة ضغط استراتيجية.
2. أن تكون لاعبًا… لا متفرجًا
إيران ترفض أن تُستبعد من أي نظام إقليمي جديد،
وتصر على أن تكون جزءًا من صياغته.
مضيق هرمز… رسالة مزدوجة
فتح المضيق حمل رسالتين متوازيتين:
-للمجتمع الدولي:
إيران دولة مسؤولة لا تسعى إلى خنق الاقتصاد العالمي
-وللخصوم:
نحن نملك القدرة… ونختار متى نستخدمها
وهنا هي الفكرة الأهم:
النفوذ لا يُستخدم دائمًا… بل يكفي التلويح به.
ما الذي يمكن أن يُبنى الآن؟
إذا استمر هذا المسار،
قد نشهد خطوات تدريجية مثل:
-اتفاقيات أمنية محدودة
-تخفيف جزئي للعقوبات
-ترتيبات إقليمية جديدة
-وربما إعادة رسم بعض التوازنات
لكن كل ذلك يبقى مشروطًا بعامل واحد:
القدرة على إدارة العلاقة باحترام متبادل، لا بمنطق الفرض كما هو الحال الآن.
الخلاصة… لحظة مفصلية على حافة التصعيد
نحن أمام لحظة دقيقة، لا يمكن قراءتها ببساطة:
-كانت تحمل فرصة للتهدئة
-لكنها انزلقت سريعًا نحو مزيد من التعقيد مع إعادة إغلاق مضيق هرمز
إيران ما زالت تحت ضغطٍ كبير… لكنها لم تتراجع بالكامل. والولايات المتحدة تملك أدوات التأثير… لكنها لم تصل إلى حسم واضح.
وفي هذا التداخل الحاد،
تقف المنطقة أمام مفترق حساس:
هل يتجه المسار نحو احتواء التصعيد وإعادة فتح باب التفاهم والاتفاق…أم أننا أمام بداية مرحلة أكثر توترًا لم تتضح حدودها بعد؟
اقرأ أيضًا: الخليج … كيف تُقرأ قوته حين تضطرب الموازين؟
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

